لقوله :
إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
( 10 ) حين يوحى إليهم من فرط الاستغراق فإنهم أخوف الناس من اللّه ، أو لا يكون لهم عندي سوى عاقبة فيخافون منه
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 11 ) استثناء منقطع استدرك به ما يختلج في الصدور من نفي الخوف عن كلهم وفيهم من فرطت منه صغيرة فإنهم وإن فعلوها أتبعوا فعلها ما يبطلها ويستحقون به من اللّه مغفرة ورحمة ، فإنه لا يخاف أيضا . وقصد تعريض موسى بوكزه القبطي . وقيل : متصل و « ثم بدل » مستأنف معطوف على محذوف أي من
شرح
فظن أن في انقلاب العصا حية أمرا أريد به هلاك نفسه ، ويدل على أن خوفه كان لذلك قوله تعالى :يا مُوسىأي قلنا له يا موسىلا تَخَفْمن غيري لا أنه عليه الصلاة والسّلام نهى عن الخوف مطلقا ، فإن الخوف اللازم للإيمان والمعرفة لا يفارق المرسلين ولا ينهون عنه . قال تعالى :إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ[ فاطر : 28 ] فمن كانت معرفته أكمل كان خوفه وخشيته أتم وأوفر فلذلك قال عليه الصلاة والسّلام : « أنا أخشاكم للّه » وإنما ينهون عن الخوف من غير اللّه تعالى وهم في كنف عصمته آمنون فلذلك قيل له : لا تخف بأس الحية . ويحتمل أن يكون المعنى لا تخف مطلقا ، فإن حال خطاب اللّه تعالى إياهم ووصيته إليهم ينفي عنهم الخوف مطلقا لفرط الاستغراق لا الخوف من غيره تعالى فقط . قوله : ( أو لا يكون لهم عندي ) أي في حكمي وقضائي وقوله : « أو مطلقا » كل واحد منهما معطوف على قوله : « أي من غيري » فالمعنى على الثالث : لا تخف من سوء العاقبة إذ ليس لأحد من المرسلين سوء عاقبة في حكمي فيخافون منه . قوله : ( استثناء منقطع ) وإنما جعله كذلك لأن المستثنى وهو من ظلم أي من زل من المرسلين غير مخرج من الحكم المذكور وهو عدم الخوف ، لأنه كما لا يخاف الرسل المعصومون من الزلات لا يخاف أيضا من فرط منه ما غفر له . ثم ترحم عليه لأنه المغفور له والمرحم عليه كيف يخاف من الذنب الذي غفر له ؟
فإذا تعين أنه لا يخاف أحد من المرسلين من سوء العاقبة البتة فلما لم يكن المستثنى مخرجا من الحكم المذكور لم يكن الاستثناء متصلا ، وكانت كلمة « إلا » بمعنى لكن التي للاستدراك لأنه لما نفي الخوف عن المرسلين كلهم اختلج في الصدور وهم وهو أن يقال : كيف يصح نفي الخوف عمن ظلم أي زل من المرسلين فدفعه بأن قال :إِلَّا مَنْ ظَلَمَأي زلثُمَّ بَدَّلَ حُسْناًأي توبة وندمابَعْدَ سُوءٍبعد زلة كائنة ما كانت . وهو فائدة التنكيرفَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌوقيل : إنه متصل والمعنى : لا يخاف لديّ المرسلون إلا من ظلم فإنه يخاف .
فيتم الكلام عند قوله :إِلَّا مَنْ ظَلَمَفيكون قوله :ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناًمستأنفا معطوفا على حذف . واعلم أن الناس اختلفوا في جواز الذنب على الأنبياء وعدمه ، قالت الحشوية : يجوز صدور الكبائر عنهم عمدا . وقالت المعتزلة : لا يجوز صدور الكبائر عنهم ويجوز صدور