به لئلا يتوهم من سماع كلامهم تشبيها ، وللتعجيب من عظمة ذلك الأمر ، أو تعجب من موسى لما دهاه من عظمته .
يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ
الهاء للشأن و « أنا اللّه » جملة مفسرة له ، أو للمتكلم و
« أَنَا »
خبره و
« اللَّهُ »
بيان له
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 9 ) صفتان للّه ممهدتان لما أراد أن يظهره يريد : أنا القوي القادر على ما يبعد عن الأوهام كقلب العصا حية ، الفاعل كل ما أفعله بحكمة وتدبير .
وَأَلْقِ عَصاكَ
عطف على
« بُورِكَ »
أي نودي أن بورك من في النار وأن ألق . ويدل عليه قوله :
وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ
[ القصص : 31 ] بعد قوله :
أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ
[ القصص : 30 ] بتكرير « أن »
فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ
تتحرك باضطراب
كَأَنَّها جَانٌّ
حية خفيفة سريعة . وقرىء « جان » على لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين .
وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ
ولم يرجع من عقب المقاتل إذا كر بعد الفرار ، وإنما رعب لظنه أن ذلك لأمر أريد به . ويدل عليه قوله :
يا مُوسى لا تَخَفْ
أي من غيري ثقة بي ، أو مطلقا
شرح
كلامه أن كلامه مركب من الحروف والأصوات ، وأنه محل لحوادث كسائر المتكلمين ، وأنه يحيط به الزمان والمكان ونحو ذلك مما لا يليق بذاته تعالى . قال أهل السنة : إنه عليه الصلاة والسّلام سمع الكلام المنزّه عن مشابهة كلام المخلوقين فعلم بالضرورة أنه كلام اللّه تعالى وصفته القائمة به ، فكما جاز أن ترى ذاته بلا كم وكيف فكذا جاز أن يسمع كلامه بلا حرف وصوت . قوله : ( وللتعجيب ) عطف على قوله : « لئلا يتوهم » يعني أنه تعجيب لموسى عليه الصلاة والسّلام مما شاهده في تلك البقعة المباركة وإيذان له بأن ذلك الأمر مريده ومكونه رب العالمين ، كأنه قيل : فما أعظم أمرا مريده من هو رب العالمين . فيكون قوله :وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَكالتذييل والتأكيد لما يتضمنه قوله :بُورِكَالخ وهو تعجب من موسى بتقدير القول وهو معطوف على قوله : « من تمام ما نودي به » .
قوله : ( أو للمتكلم ) عطف على قوله : « للشأن » أي ويحتمل أن يكون ضمير « أنه » راجعا إلى ما دل عليه ما قبله . والمعنى : إن من يكلمك أنا ، ولفظ الجلالة بيان لأنا . قوله تعالى :( تَهْتَزُّ )جملة حالية من مفعول « رآها » وقوله : « كأنها جان » يجوز أن تكون حالا ثانية وأن تكون حالا من فاعل « تهتز » فتكون حالا متداخلة . وقوله : « ولم يعقب » عطف على« وَلَّى »والمعنى : ولم يرجع على عقبه وكل راجع معقب . قال :فما عقبوا إذ قيل هل من معقب * ولا نزلوا يوم الكريهة منزلاقيل : إن العصا انقلبت حية عظيمة لكنها في سرعة حركتها والتوائها كأنها جان وهي الحية الصغيرة ، فإن الحية العظيمة لا تقدر عليها . فلذلك خاف موسى عليه الصلاة والسّلام