تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
في كل من في تلك البقعة وحواليها من أرض الشأم الموسومة بالبركات لكونها مبعث الأنبياء وكفاتهم أحياء وأمواتا ، وخصوصا تلك البقعة التي كلم اللّه فيها موسى . وقيل : المراد موسى والملائكة الحاضرون . وتصدير الخطاب بذلك بشارة بأنه قد قضى له أمر عظيم ينتشر بركته في أقطار الشأم .
وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 8 ) من تمام ما نودي
شرح
الشأن وبورك « خبرها » . ولما ورد أن يقال : كيف جاز أن تكون مخففة ؟ وهي إذا دخلت على الفعل وكان ذلك الفعل من الأفعال المتصرفة ، وجب أن تفصل المخففة من الفعل بحرف من حروف التعويض وهي السين نحو : علم أن سيقوم وسوف نحو : أن سوف يقوم و « قد » نحو : ليعلم أن قد أبلغوا ، أو من حروف النفي نحو : علمت أن لم يقم وأن لن يقوم وأن لا يقوم وما قام وما يقوم فرقا بينها وبين « أن » المصدرية فإن « أن » المصدرية لا يفصل بينها وبين الفعل بشيء من الحروف المذكورة لكونها مع الفعل بتأويل المصدر ، معنى فلا يفصل بينها وبين ما يؤثر فيها لضعفها وتسمي النحاة هذه الحروف التي بعد « أن » المخففة بحروف التعويض لكونها كالعوض عن إحدى نوني « أن » . ولما وردت هذه الشبهة أجاب عنها يقوله : « والتخفيف وإن اقتضى التعويض » ومنع صاحب الكشاف كونها مخففة بناء على انتفاء حرف التعويض وهذا منه مبني على أن « بورك » خبر لا دعاء فإنه إذا قلنا إنه دعاء لم يحتج إلى الفاصل ومَنْ فِي النَّارِقائم مقام الفاعل « لبورك » فإن بارك يتعدى بنفسه ولذلك بنى للمفعول ، يقال : باركك اللّه ويقال أيضا : بارك اللّه عليك وبارك فيك وبارك لك ، فقولنا : بورك من في النار وعلى من في النار وفيمن في النار سواء . قال الشاعر :فبوركت مولودا وبوركت ناشئا * وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيبومعنىبُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهابورك من في مكان النار ومن حول مكانها . والذي بوركت به البقعة وبورك من فيها وحواليها حدوث أمر ديني فيها وهو تكليم اللّه تعالى موسى عليه الصلاة والسّلام وتخصيصه بالرسالة والإكرام وإظهار المعجزات العظام له فيها . ورب خير يحدث في تلك البقاع فينشر اللّه تعالى بركته في أقاصيها فكيف يمثل ذلك الأمر الذي جرى في تلك البقعة ؟ قوله : ( الموسومة بالبركات ) في قوله تعالى :وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ[ الأنبياء : 71 ] فإن قوله : « للعالمين » دليل ظاهر على أن الذي بورك فيه عام . والكفات ما يكفت فيه الشيء أي يضم ويجمع . وفي الحديث : « اكفتوا صبيانكم بالليل فإن للشيطان خطفة » ومنه قوله تعالى :أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً[ المرسلات : 25 ، 26 ] . قوله : ( من تمام ما نودي به ) يعني أنه عليه الصلاة والسّلام نودي بمجموع الأمرين . ناداه وخاطبه أولا بقوله :بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِبشارة له بأنه قد قضى له أمر عظيم ، ثم ناداه بتنزيه رب العزة عما لا يليق به في ذاته وحكمته لئلا يتوهم من سماع