تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
ساكِناً
ثابتا من السكنى أو غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد .
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا
( 45 ) فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوءها على بعض الأجرام أو لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها .
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا
أي أزلناه بإيقاع الشعاع موقعه . لما عبّر عن إحداثه بالمد بمعنى البسط عبّر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الذي هو في معنى الكف .
قَبْضاً يَسِيراً
( 46 ) قليلا قليلا حسبما ترتفع الشمس لينتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق . و
« ثُمَّ »
في الموضعين لتفاضل الأمور أو لتفاضل مبادئ أوقات
شرح
قوله : ( ثابتا من السكنى ) وهو الاستقرار والثبات في مكان يقال : سكن الدار سكنى إذا استقر فيها . فالمعنى : ولو شاء لجعله ثابتا مستقرا لا يذهب عن وجه الأرض بأن لا تطلع الشمس أبدا . والمعنى على تقدير كونه من السكون الذي هو عدم الحركة ولو شاء لجعله ساكنا لا يتحرك حركة انقباض ولا انبساط ، بأن تجعل الشمس مقيمة على وضع واحد ودليل واحد ، ودليل الشيء ما يكون ظهوره للعقل سببا لظهور الشيء فيه . فشبهت الشمس بالنسبة إلى الظل بالدليل بالنسبة إلى المدلول عليه من حيث كون طلوعها سببا لظهور الظل للحس ، أو من حيث كون حركتها سببا لحدوثه وتغير أحواله . وإنما قلنا : إن طلوع الشمس سبب لظهور الظل لأن الناظر إلى الجسم الملون حال قيام الظل عليه لا يظهر له شيء سوى الجسم ولونه ، إذ الظل ليس أمرا ثابتا للحس ولا يعرف به . ثم إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم ظهر ذلك الظل للحس فلو لا الشمس ووقع ضوئها على الأجرام لما عرف الظل كما أنه لولا الظلمة لما عرف النور ، فكأنه تعالى لما أطلع الشمس ووقع ضوؤها على الأرض وزال الظل به فحينئذ ظهر للعقول أن الظل كيفية زائدة على الجسم واللون فلهذا قال اللّه تعالى :ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًاأي خلقنا الظل أولا بما فيه من المنافع واللذات ثم إنّا هدينا العقول إلى معرفة وجوده بأن أطلعنا الشمس فكانت دليلا على وجوده . والقبض جمع المنبسط من الشيء والمراد به ههنا الإزالة فقوله تعالى :ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنامعناه أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس فإذا طلعت الشمس أزال اللّه تعالى ذلك الظل لا دفعة بل جزءا فجزءا يسيرا يسيرا فكلما زاد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل في جانب المغرب فلو قبضه اللّه تعالى دفعة واحدة لتعطلت منافع الظل والشمس فقبضه يسيرا يسيرا لتبقى منافعهما والمصالح المتعلقة بهما . قوله : ( وثم في الموضعين لتفاضل الأمور ) لا للتراخي الزماني إذ لا يصح جعلها له في هذا المقام إذ ليس المعنى أنه تعالى بعد ذلك المد بزمان متراخ جعل الشمس عليه دليلا ، فوجب حمله على المجاز بأن تجعل كلمة « ثم » استعارة تبعية بأن شبه تفاضل الأمور وتباعد