تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
وتوصيف الماء به إشعار بالنعمة فيه وتتميم للمنة فيما بعده فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته وتنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها فبواطنهم بذلك أولى .
لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً
بالنبات وتذكير ميتا لأن البلدة في معنى البلد ، ولأنه غير جار على الفعل كسائر أبنية المبالغة فأجري مجرى الجامد .
وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً
( 49 ) يعني أهل البوادي الذين يعيشون بالحيا ولذلك نكر الأنعام والأناسي وتخصيصهم ، لأن أهل المدن والقرى يقيمون بقرب الأنهار والمنابع فبهم وبما
شرح
يتطهر به وقد قال اللّه تعالى في صفة أهل الجنةوَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً[ الإنسان : 21 ] وقال الشاعر :عذاب الثنايا ريقهن طهورقلنا : كونه اسما له لا ينافيه استعماله في مبالغة طاهر . قوله : ( وتوصيف الماء به إشعار بالنعمة ) جواب عما يقال : ما الفائدة في توصيف الماء المنزل لإحياء الأرض وسقي الحيوان بقوله :طَهُوراًمع أن الوصف في مثله يؤذن بكون الوصف شرطا لترتب الحكم على الفعل المعلل ؟ كما إذا قلت : أعطاني اللباس الفاخر لأتزين به ، ووصفه بالطهارة لا دخل له في ترتيب الأحياء والسقي على إنزال الماء . وتقرير الجواب أن الإحياء والإسقاء المذكورين وإن أمكنا بدون وصف الطهارة إلا أنه وصف الماء بها إشعارا بالنعمة فيها ، فإن وصف الطهارة نعمة زائدة على إنزال ذات الماء وتتميما للمنة الزائدة المستفادة من قوله :لِنُحْيِيَ بِهِوَنُسْقِيَهُفإن هذين الإحياءين إنما يتمان بذلك لما ذكره من أن الماء الطهور أهنأ وأنفع وتنبيها على أن بواطنهم أولى بالتطهير . ووجه التنبيه أنه تعالى لما امتنّ علينا بأن أنزل ماء يطهر أبداننا من الحدث والنجاسات تبيّن بذلك أن ظواهرنا مما ينبغي أن تطهر ، ومن المعلوم أن باطن الشيء أولى بالحفظ من التلوث من ظاهره فكان الامتنان بإنزال ما يطهر الظاهر تنبيها على أن الباطن أولى به . قوله : ( ولأنه غير جار على الفعل ) أي لم يقل بلدة ميتة لأن الميت ليس على وزن الفعل نحو فعول ومفعال ومفعيل وفعيل بمعنى مفعول . وفي مثله يجوز التذكير وإن جرى على المؤنث لأنه لما لم يكن على وزن الفعل لم يكن مشابها له فجاز أن لا يطابق موصوفه في التأنيث ، فإن الفعل يطابق فاعله في التذكير والتأنيث فكذا ما يشابهه بخلاف ما لم يوازن الفعل من المشتقات فإنه أجرى مجرى الجوامد . قرأ الجمهور « ونسقيه » بضم النون . وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما بفتح النون وسقى واسقى لغتان بمعنى يقال : سقاه اللّه الغيث وأسقاه والاسم السقيا بالضم .