أَمْ تَحْسَبُ
بل أتحسب
أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ
فيجدي لهم الآيات أو الحجج فتهتم بشأنهم وتطمع في إيمانهم ، وهو أشد مذمة مما قبله حتى حق بالإضراب عنه إليه وتخصيص الأكثر لأنه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استكبارا أو خوفا على الرياسة .
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ
في عدم انتفاعهم بقرع الآيات أذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات .
بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
( 44 ) من الأنعام لأنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها وتطلب ما ينفعها ونتجنب ما يضرها ، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار . ولأنها إن لم تعتقد حقا ولم تكتسب خيرا لم تعتقد باطلا ولم تكتسب شرا بخلاف هؤلاء . ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن وصد الناس عن الحق . ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذم وهؤلاء مقصرون مستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم .
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ
ألم تنظر إلى صنعه
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
كيف بسطه أو ألم تنظر إلى الظل كيف مده ربك ؟ فغير النظم إشعارا بأن المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه ؟ أو ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل وهو فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الأحوال ، فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر البصر ولذلك وصف به الجنة فقال :
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ
[ الواقعة : 30 ]
وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ
شرح
القلب بمعنى ألم تعلم إلا أنه عدي ب « إلى » لتضمنه معنى الانتهاء فقال : « أو ألم ينته علمك » فيكون الكلام على ظاهره لأن الظل وإن كان من المبصرات إلا أن تأثير قدرة اللّه تعالى في تمديده ليس من المبصرات بالاتفاق لكنه معلوم بما ذكره من البرهان الواضح . والظل هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة وهو يحدث منبسطا على وجه الأرض فيما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس . ثم إن الشمس تنسخه وتزيله شيئا فشيئا إلى الزوال ثم هو ينسخ ضوء الشمس ويزيله من وقت الزوال إلى الغروب ، ويسمى الظل الآخذ في التزايد الناسخ لضوء الشمس فيئا . ووجه الاستدلال به على وجود الصانع ما أشار إليه من أن حدوثه بعد العدم وعدمه بعد الوجود وتغير أحواله بالزيادة والنقصان والانبساط والتقلص على الوجه النافع لا بد له من صانع قادر مدبر حكيم يقدر على تحريك الأجرام العلوية وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن والترتيب الأكمل وما هو إلا اللّه عز وجل .