فِي فَلَكٍ
أي كل واحد منهما ، والتنوين بدل من المضاف إليه . والمراد بالفلك الجنس كقولهم : كساهم الأمير حلة
يَسْبَحُونَ
( 33 ) يسرعون على سطح الفلك إسراع السابح على سطح الماء ، وهو خبر « كل » والجملة حال من « الشمس » و « القمر » ، وجاز انفرادهما
شرح
قوله : ( والمراد بالفلك الجنس ) جواب عما يقال : كيف يصح أن يقال : كل واحد من الشمس والقمر يسبح في فلك مع أن لكل واحد منهما فلكا على حدة ؟ فإن قولنا : كلهم في دار مثلا وإن احتمل أن يكون المراد منه كل واحد منهم في دار على حدة إلا أنه خلاف المتبادر ، والمتبادر أن يكونوا مجتمعين في دار واحدة ، وتبادر هذا المعنى إلى الفهم أمارة لكون اللفظ حقيقة فيه ، وتقرير الجواب كون كل واحد منهما في فلك على حدة لما كان ثابتا بالرصد كان ذلك قرينة صارفة عن حمل لفظ في فلك على الواحد بالشخص ، فتعين حمله على الواحد بالجنس كما يحمل عليه لفظ حلة بقرينة امتناع أن يكسي الجماعة حلة واحدة بالشخص . وقوله :يَسْبَحُونَاستعارة تبعية تشبيها لإسراع كل واحد منهما على سطح الفلك بإسراع السابح على سطح الماء وضمير الجمع فيه لكل واحد منهما ، وإن كان واحدا بالشخص إلا أنه أعيد إليه ضمير الجمع لتعدده باعتبار المطالع . واحتج أبو علي بن سينا على كون الكواكب أحياء ناطقة بقوله تعالى :يَسْبَحُونَوبقوله :إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ[ يوسف : 4 ] قال : الجمع بالواو والنون لا يكون إلا للأحياء العقلاء العالمين . والجواب عنه ما أشار إليه المصنف من أنه لما أسند إليهم ما هو من أفعال العقلاء فعبّر عنهم بضمير العقلاء وهو السباحة والسجود نزلن منزلة العقلاء فعبّر عنهن بضمير العقلاء ، ولما جعل « يسبحون » خبر « كل » وجعل جملةكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَحالا من الشمس والقمر ، ورد أن يقال : كيف جاز أن يختص المعطوف بكونه ذا حال مع أن الحال قيد في متعلق العامل في ذي الحال ، والعامل كما تعلق بالشمس والقمر تعلق بالليل والنهار أيضا ؟ فينبغي أن يكون مضمون الجملة الحالية قيدا في المتعلق بالجميع .
فأجاب عنه بقوله : وجاز انفرادهما بها لعدم اللبس » لظهور أن السباحة في الفلك إنما تكون للشمس والقمر دون الليل والنهار كما تقول : رأيت زيدا وهندا متبرجة أي مظهرة زينتها .
واختلف الناس في حركات الكواكب ، والوجوه الممكنة فيها ثلاثة : فإنه إما أن يكون الفلك ساكنا والكواكب تتحرك فيه كحركة السمك في الماء الراكد ، وإما أن يكون الفلك متحركا والكواكب تتحرك فيه أيضا إما مخالفة لجهة حركته أو موافقة لها . وإما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطىء ومخالفة ، وإما أن يكون الفلك متحركا والكواكب ساكنة . قالت الفلاسفة : الرأي الأول باطل لأنه يوجب خرق الفلك وهو محال ، وكذا الرأي الثاني فإنه أيضا باطل لعين ما ذكر ، فلم يبق إلا الاحتمال الثالث وهو أن يكون الكوكب مغروزا في