وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون من العلم به نظرا ، فإن الفتق عارض مفتقر إلى مؤثر واجب ابتداء أو بوسط ، أو استفسارا من العلماء ومطالعة الكتب . وإنما قال « كانتا » ولم
شرح
ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض . وأشار المصنف إليه بقوله : « كانتا بحيث لا فرجة بينهما ففرج » وهو ما قيل : إنه تعالى خلق الأرض في موضع بيت المقدس على هيئة النهر عليها دخان لازق بها فاصعد الدخان وخلق منه السماوات ، وأسكن النهر في موضعه وخلق منه الأرض وبسطها . قال كعب : خلق اللّه السماوات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحا توسطهما ففتقهما به . وقيل : المعنى كانت السماوات طبقة واحدة ففتقها بالتحريكات المختلفة فجعلها سبع سماوات وكذلك كانت الأرض طبقة واحدة وففتقها باختلاف كيفياتها وأحوالها فجعلها سبع أرضين . وقيل : المعنى كانت شيئا واحدا وحقيقة متحدة ففتقها بالهيبة كما جاء في الحديث المشهور : « أول ما نظر إليها نظر الرحمة ارتعدت فجمد نصفها فخلق منه العرش ، فاضطرب فكتب عليه لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه فسكن العرش وترك الماء يرتعد على حالته ، إلى يوم القيامة » . وذلك قوله :وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ[ هود : 7 ] ثم حصل من تلاطم الماء أدخنة متراكمة بعضها على بعض وزبد فخلق منه السماوات والأرض طباقا وكانتا رتقا ، فخلق الريح ففتق بين طباق السماوات وطباق الأرض ثم جمد ذلك الزبد على وجه الماء ودخى فصار أرضا بقدرته . وقيل : المعنى أن السماوات كانت رتقا مستوية صلبة لا تمطر وكذا الأرض كانت رتقا لا تنبت ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات ففتق السماء وهي أشد الأشياء وأصلبها بألين الأشياء وهو الماء ، وكذلك فتق الأرض بألين الأشياء وهو النبات مع شدتها وصلابتها ، فالآية على هذا القول نظير قوله تعالى :وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ[ الطارق : 11 ، 12 ] ورجح هذا القول بقوله تعالى بعد ذلك :وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ[ الأنبياء : 30 ] وذلك لا يليق إلا إذا كان للماء تعلق بما تقدم ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد بالرتق والفتق ما ذكرنا . فإن قيل : هذا الوجه مرجوح لأن المطر لا ينزل من السماوات بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا ، أجيب بأنه أطلق لفظ الجمع على سماء الدنيا لأن كل قطعة منها سماء كما يقال : ثوب أخلاق وبرمة أعشار . ويجوز أن يراد بلفظ الجمع السماوات بأسرها وجعلها مفتوحة مفتوقة بالمطر مبني على أن لها مدخلا في الأمطار ، ففتق السماوات والأرض بعدما كانتا رتقا على أي معنى كان هو الدليل الأول من الدلائل الستة المذكورة في هذه الآية . قوله : ( فإن الفتق عارض ) لأنه من جملة الممكنات والممكنات بأسرها حادثة مفتقرة إلى مخصص يخصص أحد طرفيها بالوقوع . قوله : ( وإنما قال كانتا ) يعني ثنى الضمير الراجع إلى الجمع باعتبار أن المرجوع إليه جماعتان .