خوف مع اعتناء فإن عدي ب « من » فمعنى الخوف فيه أظهر . وإن عدي ب « على » فبالعكس
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ
من الملائكة أو من الخلائق
إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ
يريد به نفي النبوة وادعاء ذلك عن الملائكة وتهديد المشركين بتهديد مدّعي الربوبية
كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
( 29 ) من ظلم بالإشراك وادّعاء الربوبية .
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أولم يعلموا . وقرأ ابن كثير بغير واو .
أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً
ذات رتق أو مرتوقتين ، وهو الضم والالتحام أي كانتا شيئا واحدا وحقيقة متحدة .
فَفَتَقْناهُما
بالتنويع والتمييز أو كانت السماوات واحدة ففتقت بالتحريكات المختلفة حتى صارت أفلاكا ، وكانت الأرضون واحدة فجعلت باختلاف كيفياتها وأحوالها طبقات أو أقاليم . وقيل : كانتا بحيث لا فرجة بينهما ففرج . وقيل : كانتا رتقا لا تمطر ولا تنبت ففتقناهما بالمطر والنبات . فيكون المراد بالسموات سماء الدنيا وجمعها باعتبار الآفاق ، أو السماوات بأسرها على أن لها مدخلا ما في الأمطار . والكفرة
شرح
والمؤمنون يخافون اللّه تعالى من كثرة ذنوبهم . روي أنه عليه الصلاة والسّلام رأى جبريل ليلة المعراج ساقطا كالحلس من خشية اللّه تعالى . والخشية والإشفاق متقاربان في المعنى والفرق بينهما أن المنظور إليه في الخشية جانب المخشي منه وهو عظمته ومهابته ، وفي الإشفاق جانب الخائف وهو الاعتناء بشأنه وعدم الأمن من أن يصيبه مكروه . ثم إن الإشفاق يتعدى بكل واحد من كلمتي « من » و « على » يقال : أشفق عليه وهو مشفق منه أي حذر ، فإن عدى ب « من » يكون معنى الخوف فيه أظهر من معنى الاعتناء ، وإن عدى ب « على » يكون معنى الاعتناء أظهر من معنى الخوف .
قوله : ( أولم يعلموا ) يعني أن الرؤية قلبية وأن « مع » ما في حيزها سادة مسد المفعولين وليست بصرية لأنهم ما رأوها كذلك البتة . قال تعالى :ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ الكهف : 51 ] أورد اللّه تعالى ههنا ستة أنواع من الدلائل الدالة على كمال قدرته وباهر حكمته تأكيدا لدليل وحدانيته وتقرير البرهان تنزهه عن الشركاء والأنداد ، فإن من قدر على تحصيل هذا الترتيب العجيب في هذا العالم كيف يصح أن يكون له شريك في ألوهيته وملكه ؟ . والرتق مصدر بمعنى الضم والالتحام فقوله : « السماوات والأرض رتق » من قبيل : رجل عدل ولذلك قال : « ذات رتق أو مرتوقتين » ولم يقل : كانتا رتقتين لأن المصدر لا يثنى ولا يجمع كقوله :وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ[ الأنبياء : 8 ] واختلف المفسرون في وجه فتقهما بعد الالتحام ؛ روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن المعنى : كانتا شيئا واحدا ملتزقة إحداهما بالأخرى ، ففصل اللّه تعالى بينهما