تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
نورا على نور .
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ
لهذا النور الثاقب
مَنْ يَشاءُ
فإن الأسباب دون مشيئته لاغية إذ بها تمامها .
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ
إدناء للمعقول من المحسوس توضيحا وبيانا .
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( 35 ) معقولا كان أو محسوسا ظاهرا كان أو خفيا . وفيه وعد ووعيد لمن تدبرها ولمن لم يكترث بها .
شرح
ترتبها والانتقال من بعضها إلى بعض بطريق الحركة في الكيف يسمى تحصيلها بهذه الطريق فكر ، أو إن لم يكن بطريق الترتب والانتقال من بعضها إلى بعض يسمى حدسا ، وهذه المراتب يصح إطلاق اسم النور عليها لكونها وسائل إلى ظهور المدركات . والقوة العقلية في مرتبة العقل الهيولاني تشبه بالمشكاة الخيالية في بدء الأمر عن الأنوار الحسية المستعدة للاستنارة بها ، وفي مرتبة العقل بالملكة تشبه بالزجاجة المتلألئة في نفسها الشبيهة بالكوكب الدري القابلة للأنوار الفائضة عليها من النير الخارجي . وقد مرّ أن القوة العقلية في مرتبة تمكنها من تحصيل النظريات قد يكون تمكنها منه بطريق الحركة الفكرية وقد يكون بطريق الحدس ، وشبّه تمكنها من تحصيل النظر منه بالطريق الأولى بتمكن الزجاجة من التوقد من شجرة الزيتونة ، فإن توقد الزجاجة من تلك الشجرة يحتاج إلى تكلف وإعمال مثل أن يعصر زيتونها ويستخرج زيتها وتروى الفتيلة بزيتها فكذلك الاستحصال من المطالب بطريق الفكر ، فإن النفس تحتاج فيه إلى مزاولة الفكر والاعتمال . فكان قوله تعالى : توقدمِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍإشارة إلى تشبيه مرتبة التمكن من الاستحصال بطريق الفكر بتوقد الزجاجة من شجرة الزيتونة ، وقوله تعالى :يَكادُ زَيْتُهاإشارة إلى تشبيه تمكنها بطريق الحدس بتوقد الزجاجة من الزيت . ثم إن القوة النفسانية المتمكنة من الاستحصال إذا بلغت وقويت في صفائها عن الكدورات الطبيعية إلى غاية اللطافة يكون استفاضتها من عالم الغيب في غاية الكمال والقوة حتى تكاد تعلم وإن لم تتصل بملك الوحي والإلهام ، فكان قوله تعالى :يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌإشارة إلى تشبيه تمكنها من تحصيل النظريات بقوة قدسية بالزجاجة التي لا تحتاج في توقدها إلى أن تمس النار زيتها بل تشتعل بمجرد صفاء الزيت الحاصل فيها . فظهر بما قررناه أن للقوة العقلية في مرتبة تمكنها من تحصيل النظريات ثلاثة اعتبارات : تمكنها منه بطريق الفكر وبطريق الحدس وبالقوة القدسية ، وشبّهت بالاعتبار الأول بالزجاجة المتوقدة من الشجر ، وبالاعتبار الثاني بالزجاجة المتوقدة بالزيت الذي مسته النار ، وبالاعتبار الثالث بالزجاجة التي لا تحتاج في توقدها إلى أن يتصل زيتها بالنار . ثم إنها شبّهت في مرتبة العقل بالفعل بالمصباح الذي اشتعلت فتيلته المشبعة بالزيت بمماسة النار إياها فإن المدركات النظرية في هذه المرتبة وإن لم تكن بحيث تشاهدها النفس بالفعل إلا أنها حاصلة عندها مخزونة فيها بحيث لا تحتاج في استحضارها إلى تجشم كسب جديد ،