تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
وخيالاتهم بالمصباح وإنما ولى الكاف المشكاة لاشتمالها عليه وتشبيه به أوفق من تشبيه بالشمس . أو تمثيل لما نوّر اللّه به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبث فيها من مصباحها ، ويؤيده قراءة أبيّ « مثل نور المؤمن » . أو تمثيل لما منح اللّه به عباده من القوى الدراكة الخمس المرتبة التي ينوط بها المعاش والمعاد وهي : الحساسة التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس ، والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت ، والعاقلة التي تدرك الحقائق الكلية ، والمفكرة وهي التي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم ما لم يعلم ، والقوة القدسية التي يتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء المعينة بقوله تعالى :
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ الشورى : 52 ] بالأشياء الخمسة المذكورة
شرح
فيما بينها كالضوء الكامل الذي يظهر فيما بين الظلمات ، وهذا المقصود لا يحصل من تشبيهه بضوء الشمس لأن ضوءها إذا ظهر امتلأ العالم من النور الخالص وإذا غاب امتلأ العالم من الظلمة الخالصة ، فلا جرم كان ذلك المثل ههنا أليق وأوفق . قوله : ( وإنما ولى الكاف المشكاة ) بمنزلة دخولها على المصباح ولهذا قال بعض المفسرين : إن هذه الآية من المقلوب والتقدير : مثل نوره كمصباح في مشكاة ، لأن المشبه به نوره تعالى هو الذي يكون معدنا للنور ومنبعا له وذلك هو المصباح لا المشكاة . قوله : ( أو تمثيل لما نوّر اللّه تعالى به قلب المؤمن ) وهو نور الإيمان والعلوم المتعلقة بمعاني آيات كتاب اللّه تعالى ، ومعرفة المبدأ والمعاد والشرائع وهذا النور وإن كان محله قلب المؤمن إلا أنه نور اللّه تعالى من حيث إنه تعالى هو الذي نور قلبه . والمقصود من التمثيل بيان أن إيمان المؤمن وما في قلبه من العلوم والمعارف قد بلغ في الصفاء عن الشبهات والامتياز عن ظلمات الضلالات مبلغ نور المشكاة المنعوتة . قوله : ( أو تمثيل لما منح اللّه تعالى به عباده من القوى الدراكة الخمس المرتبة ) ذكر الإمام الغزالي نفعنا اللّه به آمين : أن القوى الدراكة أنوار من حيث إنه يظهر بها أصناف الموجودات ، وأن مراتب القوى المدركة الإنسانية خمس : إحداها القوة الحساسة وهي التي تتلقى ما تدركه الحواس الخمس وتسمى الحس المشترك ، وثانيتها القوة الخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية التي هي فوقها عند الحاجة إليه ، وثالثتها القوة العقلية المدركة للحقائق الكلية ، ورابعتها القوة المفكرة وهي التي تأخذ المعارف فتؤلفها تأليفا فتستنتج من تأليفها إياها علما بالمجهول ، وخامستها القوة القدسية التي يختص بها الأنبياء وبعض الأولياء ويتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملك والملكوت ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا