وبيصه .
نُورٌ عَلى نُورٍ
نور متضاعف فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت وزهرة القنديل ، وضبط المشكاة لأشعته . وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه : الأول أنه تمثيل للهدى الذي دل عليه الآيات المبينات في جلاء مدلولها وظهور ما تضمنه من الهدى بالمشكاة المنعوتة ، أو تشبيه للهدى من حيث إنه محفوف بظلمات أوهام الناس
شرح
قوله : ( نور على نور ) أي فكان زيتها نورا على نور بمعنى نور المصباح على نور الزجاجة ، أو نور النار ونور المصباح ، أو نور الزجاجة . وقوله :نُورٌ عَلى نُورٍخبر مبتدأ محذوف أي النور الذي شبّه به نور اللّه تعالى هو نور على نور . واعلم أن الأمور التي اعتبرها اللّه تعالى في هذه الأمثال مما يوجب كمال الضوء : فأولها أن المصباح إذا لم يكن في المشكاة تفرقت أشعته وإذا وضع في المشكاة اجتمعت أشعته فكان أشد إنارة ، والذي يحقق ذلك أن المصباح إذا كان في المشكاة أو كان في بيت صغير فإنه يظهر من ضوئه أكثر مما إذا كان في البيت الكبير . وثانيها أن المصباح إذا كان في زجاجة صافية والأشعة المنفصلة عن المصباح تنعكس من بعض جوانب الزجاجة إلى بعض كان أكمل في الضوء والنور من غيره لما في الزجاجة من الصفاء والشفافة ، والذي يحقق ذلك أن شعاع الشمس إذا وقع على الزجاجة الصافية قوي حتى أنه يظهر فيما يقابله مثل ذلك الضوء فإذا انعكست تلك الأشعة من كل واحد من جوانب الزجاجة إلى الجانب الآخر كثرت الأنوار والأضواء وبلغت النهاية الممكنة .
وثالثها أن ضوء المصباح يختلف بحسب اختلاف ما يتقد به فإذا كان ذلك الدهن صافيا خالصا كان حاله بخلاف حاله إذا كان كدرا . ورابعها أن هذا الزيت يختلف بحسب اختلاف شجرته فإذا كانت لا شرقية ولا غربية بمعنى أنها بارزة للشمس في كل حالة كان ثمرها أشد نضجا فيكون زيته أكثر صفاء . فإذا اجتمعت هذه الأربعة وتعاونت صار ذلك الضوء خالصا كاملا فيصلح أن يجعل مثلا لنور اللّه تعالى . قوله : ( الأول أنه تمثيل للهدى ) اعلم أنه لا بد في التشبيه من أمرين : المشبه والمشبه به . واختلف أهل التفسير في أن المشبه ههنا أي شيء هو ؟ وذكروا وجوها : أحدها ، وهو قول جمهور المتكلمين أن المراد به الهدى الذي هو الآيات المبينات والمعنى : أن هداية اللّه تعالى قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات وصارت بذلك بمنزلة مشكاة يكون فيها زجاجة صافية ، وفي الزجاجة مصباح يوقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء . أو أن هداية اللّه تعالى من حيث إنها في غاية الظهور والجلاء وأنها محفوفة بظلمات أوهام الناس بمنزلة المصباح الموصوف بأنه مع كونه في غاية الجلاء محفوف بظلمة المشكاة . فإن قيل : لم شبه بذلك ؟ وقد قالوا : إن ضوء الشمس أبلغ من ذلك بكثير . أجيب بأنه سبحانه وتعالى أراد أن يصف الضوء الكامل الذي يلوح وسط الظلمة لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهات التي هي كالظلمات ، وهداية اللّه تعالى