من حيث إنه يطلق على الباصرة لتعلقها به أو لمشاركتها له في توقف الإدراك عليه ثم على البصيرة لأنها أقوى إدراكا ، فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات الموجودات والمعدومات وتغوص في بواطنها وتتصرف فيها بالتركيب والتحليل . ثم إن هذه الإدراكات ليست لذاتها وإلا لما فارقتها فهي إذا من سبب يفيضها عليها وهو اللّه سبحانه وتعالى ابتداء أو بتوسط من الملائكة والأنبياء ولذلك سموا أنوارا . ويقرب منه
شرح
حيث شبّه تعالى بالنور بمعنى الكيفية من حيث إنه تعالى سبب لإدراك السماوات والأرض بالباصرة ولإدراك ما فيها من وجود الدلالات على وجود الصانع ذي الجلال والإكرام بالبصيرة ، وذلك لأن هذه الإدراكات ليست مقتضى ذات البصيرة وإلا لما فارقتها بل هي مسندة إلى سبب خارج عن ذاتها يفيض تلك الإدراكات عليها وهو اللّه سبحانه وتعالى فهو الذي به تدرك أو به يدرك أهلها ، فشابه النور بمعنى الكيفية فلذلك قيل على سبيل التشبيه البليغاللَّهُ نُورُ .قوله : ( من حيث إنه يطلق على الباصرة الخ ) استشهاد على إطلاق النور على ما يكون سبب الإدراك كالبصيرة والباصرة وإن جاز أن يكون إطلاق النور على الباصرة لكونها متعلقة بالنور ومدركة أولا وبالذات . ثم إنه لما بيّن أن الباصرة تشارك النور في توقف الإدراك على كل واحد منهما ، بيّن أن الإدراك المرتب على البصيرة أقوى من الإدراك المرتب على الباصرة ، فلما كان وجه الشبه بينهما وبين النور أقوى كان إطلاق لفظ النور عليهما أقرب وأولى . فإن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها أيضا ، أما أنها لا تدرك نفسها ولا إدراكها فلأنهما ليسا من الأمور المبصرة بالعين ، وأما أنها لا تدرك آلتها التي هي العين فظاهر . والبصيرة تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها وهي القلب والدماغ ، وأيضا القوة العاقلة تدرك الكليات والجزئيات الموجودة والمعدومة والقوة الباصرة لا تدرك إلا الجزئيات الموجودة ، وأيضا القوة العاقلة تدرك ظواهر الأشياء وبواطنها بخلاف القوة الحسية فإنها لا تدرك من الإنسان مثلا إلا السطح الظاهر من جسمه والألوان القائمة بذلك السطح بالاتفاق وليس الإنسان عبارة عن مجرد السطح واللون . فالقوة الباصرة وإن كانت بالنسبة إلى الظاهر نورا إلا أنها بالنسبة إلى البواطن ظلمة ، فكانت القوة العاقلة أشرف من الباصرة من هذا الوجه . وأيضا القوة العاقلة تتصرف في بواطن مدركاتها بالتركيب والتحليل ، فإنها تضم الجنس إلى الفصل فتستحدث منهما طبيعة نوعية مركبة منهما وتحلل تلك الطبيعة الواحدة المقومة إلى مقوماتها وإلى عوارضها اللازمة والمفارقة ، ثم تحلل مقوماتها إلى الجنس وجنس الجنس والفصل وفصل الفصل وجنس الفصل وفصل الجنس إلى غير ذلك والقوة الباصرة عاجزة عن النفوذ في بواطن الماهيات وأعماقها . قوله : ( ويقرب منه ) أي من قوله : « اللّه نور السماوات والأرض قول ابن عباس معناه » الخ فإنه الذي به تدرك