وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ
يعني الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت فيها الأحكام والحدود . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص في هذا وفي الطلاق بالكسر ، لأنها واضحات يصدقها الكتب المتقدمة والعقول المستقيمة من بين بمعنى تبين أو لأنها بينت الأحكام والحدود .
وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
أي ومثلا من أمثال من قبلكم أي وقصة عجيبة مثل قصصهم ، وهي قصة عائشة فإنها كقصة يوسف ومريم .
وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
( 34 ) يعني ما وعظ به في تلك الآيات وتخصيص المتقين لأنهم المنتفعون بها . وقيل : المراد بالآيات القرآن وبالصفات المذكورة صفاته .
شرح
قوله : ( وأوضحت فيها الأحكام ) لما كان المبين حكايات هذه السورة ووصفت نفس آياتها بكونها مبينات ، أشار إلى أن أصل الأحكام مبين فيها فاتسع في الظرف بأن حذف حرف الجر وأجرى المجرور مجرى المفعول به . وقوله تعالى :وَمَثَلًاعطف علىآياتٍأي وأنزلنا مثلا من أمثال الذين مضوا من قبلكم أي قصة عجيبة من جنس قصصهم ، فإن قصة عائشة رضي اللّه تعالى عنها كقصة يوسف ومريم عليهما السّلام في الغرابة ، فإن قصتهما ذكر فيها تهمة من برئ مما اتهم به فيوسف عليه الصلاة والسّلام اتهمته زليخا ، ومريم اتهمها اليهود مع برأتهما .
وقيل : المراد بالآيات القرآن . قال الإمام رحمة اللّه تعالى عليه : إنه تعالى لما ذكر في هذه السورة هذه الأحكام وختم الكلام في الأحكام بهذه الآية ، وصف القرآن بصفات ثلاث : إحداها قوله تعالى :وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍأي مفصلات وثانيتها قوله تعالى :وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ .وروي عن الضحاك أنه قال : يريد بالمثل ما ذكر في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود فأنزل في القرآن مثله . وروي عن مقاتل رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : قوله تعالى :وَمَثَلًاأي شبها من حالهم بحالكم في تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسّلام ، يعني : بينا لكم ما أحللنا بهم من العقاب لتمردهم على اللّه تعالى فجعلنا ذلك مثلا لكم لتعلموا أنكم إذا شاركتموهم في المعصية كنتم مثلهم في استحقاق العقاب . وثالثتها قوله تعالى :وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَوالمراد به الوعيد والتحذير من فعل المعاصي . ثم إنه تعالى لما وصف نفسه بأنه أنزل آيات مبينات وأقام دلائل واضحات وقصة عجيبة من جنس قصص من قبلنا متضمنة لموعظة ينتفع بها المتقون ، عقبه بقوله تعالى :اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍأي مظهرهما من العدم إلى الوجود ، فإن معنى النور في اللغة هو الذي يبين الأشياء ويظهرها للأبصار . واعلم أن النور على أربعة أوجه : أولها نور يظهر الأشياء للأبصار وهو لا يراها كنور الشمس وأمثالها ، فإنه يظهر الأشياء المخفية ولا يراها . وثانيها نور البصر وهو لا يظهر الأشياء للأبصار ، ولكنه يراها وهذا النور أشرف من الأول ، وثالثها نور العقل وهو يظهر الأشياء المعقولة المخفية في ظلمة الجهل للبصائر وهو يدركها ويراها . ورابعها نور الحق تعالى وهو يظهر الأشياء