اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولا وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما ، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على اللّه تعالى إلا بتقدير مضاف كقولك : زيد كرم بمعنى ذو كرم أو على تجوز : إما بمعنى منور السماوات والأرض وقد قرىء به فإنه
شرح
المعدومة المخفية في العدم للأبصار من الملك والملكوت وهو يراها في الوجود كما كان يراها في العدم بأنها موجودة في علم اللّه تعالى ، وإن كانت معدومة في ذواتها فما يتغير علم اللّه تعالى ورؤيته بإظهارها في الوجود بل كان التغيير راجعا إلى ذوات الأشياء وصفاتها عند الإيجاد والتكوين . فقوله تعالى :اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِمعناه . واللّه تبارك وتعالى أعلم أنه مظهرهما وموجدهما من العدم بكمال القدرة الأزلية كما حققه المصنف رحمة اللّه تعالى عليه بقوله : « فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره » الخ وذكر وجوها أخر في تأويل الآية الشريفة وعلى كل تأويل يكون هذه الآية الشريفة كالتعليل لما قبلها . قوله : ( وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على اللّه تعالى ) ضرورة أن حدوث الأجسام بأسرها يستلزم حدوث الكيفيات والأعراض القائمة بها فكيف يصح إطلاق الكيفية عليه تعالى ؟ والقول بكونه تعالى حالا في الأجسام مما يحكم بداهة العقل باستحالته فإن القائم بالغير محتاج إليه والمحتاج إلى الغير كيف يكون إلها ؟ ولما ثبت في الشرع إطلاق اسم النور عليه تعالى وأنه من جملة أسمائه الشريفة الحسنى خاض النحارير من فضلاء العلماء في توجيه إطلاقه عليه تعالى وجاء كل واحد منهم بما في وسعه وطاقته . وأشار المصنف رحمة اللّه عليه إلى ما ذكروه من الوجوه فمحصول الجميع : أنه تعالى ليس في ذاته نورا بل إنما يطلق عليه اسم النور إما بتقدير المضاف كقولك : زيد كرم بمعنى ذو كرم أو على تجوز . وذكر فيه وجوه أخر فاندفع به ما يقال من أن قوله تعالى :اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِيقتضي ظاهرا أنه تعالى في ذاته نور وقوله :مَثَلُ نُورِهِيقتضي أن لا يكون هو في ذاته نورا بل يكون هو أمرا مغايرا له مضافا إليه وبينهما تناقض ، فقوله تعالى :اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِبمعنى صاحب النور . أو من قبيل التوصيف بالمصدر للمبالغة على معنى أنه منور لكل مستتر بحيث كأنه عين نوره .
ومعنى تنويره : أنه تعالى نوّر العالم بالأنوار الفائضة من الكواكب أو أنه تعالى نوّر العالم العلوي بالملائكة والعالم السفلي بالأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بناء على تشبيه الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بالنور بمعنى الكيفية المدركة أولا في كونهما بسبب الإدراك ، فإن الكيفية المذكورة إنما اختصت بالفضيلة والشرف بسبب كون المرئيات ظاهرة منجلية بسببها . ويشاركها في هذه الفضيلة أشياء أخر منها : البصر وهو العين الظاهرة المدركة للأضواء والألوان ، ومنها البصيرة وهي القوة العاقلة التي تدرك نفسها وغيرها من الكليات