تعالى نورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار أو بالملائكة والأنبياء . أو مدبرهما من قولهم للرئيس الفائق في التدبير : نور القوم لأنهم يهتدون به في الأمور أو موجدهما ، فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره . وأصل الظهور وهو الوجود كما أن أصل الخفاء هو العدم واللّه سبحانه وتعالى موجود بذاته موجد لما عداه . أو الذي به تدرك أو يدرك أهلها
شرح
والجزئيات . ولما كان كل واحدة من القوة الحساسة والعاقلة مشابهة للكيفية المذكورة في كونها سبب الإدراك صح إطلاق اسم النور عليه مجازا . ومنها القرآن العظيم والملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، فإن القوة العاقلة قد يعتريها الزيغ والخلل في العلوم النظرية فلا بد لها من هاد ومرشد ولا مرشد فوق كلام اللّه تعالى وفوق إرشاد الأنبياء ، فالآيات القرآنية بالنسبة إلى عين القلب بمنزلة نور الشمس إلى الباصرة فلذلك سمي القرآن نورا في قوله تعالى :فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا[ التغابن : 8 ] وقوله تعالى :وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً[ النساء : 174 ] ونفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام أيضا بمنزلة نور الشمس ، فكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها ، فكذا نفس النبي يفيد الأنوار العقلية لسائر النفوس البشرية ولا يستفيد النور العقلي من كل شيء من الأنفس البشرية ، فلذلك وصف اللّه تعالى نبينا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه سراج منير . وقد ثبت أن الأنوار الحاصلة في أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام مقتبسة من الأنوار الحاصلة في أرواح الملائكة عليهم الصلاة والسّلام قال اللّه تعالى :يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ[ النحل : 2 ] وقال تعالى :نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ[ الشعراء : 193 ، 194 ] وقال تعالى :إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى[ النجم : 4 ] وهو لا يكون إلا بواسطة الملائكة . فلما كان أرواح الملائكة كالمعادن لأنوار عقول الأنبياء كانت أرواحهم بمنزلة الأنوار أيضا وأقوى من عقول الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام . فهذا هو وجه قول المصنف رحمة اللّه تعالى عليه « إنه تعالى منور السماوات والأرض بالملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسّلام » .
قوله : ( أو مدبرهما ) بأن شبّه التدبير الحسن بالنور في كون كل واحد منهما سبب الاهتداء إلى المصالح ، فأطلق اسم النور على التدبير الحسن على سبيل الاستعارة التصريحية ، وأطلق النور بهذا المعنى عليه تعالى على طريق التوصيف بالمصدر للمبالغة . قوله : ( أو موجدهما ) على أن يكون قوله الله : ( نورهما ) من باب التشبيه البليغ أي كالنور بالنسبة إليهما من حيث كونه مظهرا لهما أي موجدا ، فإن أصل التنوير هو الظهور من ظلمة العدم وإنما يظهر بتأثير قدرته تعالى . قوله : ( أو الذي به تدرك ) على أن يكون المراد منه أنه تعالى نور بالنسبة إلى نفس السماوات والأرض وقوله : « أو يدرك أهلها » على أن يكون تقدير الكلام اللّه نور أهل السماوات وأهل الأرض . وعلى التقديرين يكون الكلام من باب التشبيه البليغ أيضا