عليهن الضرائب فشكا بعضهن إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فنزلت
إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً
تعففا شرط للإكراه فإنه لا يوجد دونه ، وإن جعل شرطا للنهي لم يلزم من عدمه جواز الإكراه لجواز أن يكون ارتفاع النهي بامتناع المنهي عنه . وإيثار « أن » على « إذا » لأن إرادة التحصن من الإماء كالشاذ النادر .
لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 33 ) أي لهن أو له إن تاب . والأول أوفق للظاهر ولما في مصحف ابن مسعود « بعد إكراههن لهن غفور رحيم » . ولا يرد عليه أن المكرهة غير آثمة فلا حاجة إلى المغفرة لأن الإكراه لا ينافي المؤاخذة بالذات ، ولذلك حرم على المكره القتل وأوجب عليه القصاص .
شرح
عنه إعطاء وتمليكا له . فالظاهر أن يقال : إنه أمر للموالي بأن يدفعوا إليهم شيئا مما أخذوه منهم ، أو هو أمر لعامة المسلمين بأن يعطوهم سهمهم الذي جعله اللّه تعالى لهم من الصدقات في قوله تعالى :وَفِي الرِّقابِ[ البقرة : 177 ؛ التوبة : 60 ] نقل الإمام عن الإمام الشافعي رحمهما اللّه تعالى أنه قال : يجب على المولى إيتاء المكاتب وهو أن يحط عنه جزءا من مال الكتابة أو يدفع إليه جزءا مما أخذ منه . وقال الإمام مالك وأبو حنيفة وأصحابه رحمهم اللّه تعالى : إنه مندوب إليه وليس بواجب . قوله : ( شرط للإكراه ) يعني أن إرادة التحصن شرط للإكراه ، لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن فإنهن لو لم يردن التحصن لكان زناهن بالطبع لا بالإكراه . وإن جعلت الإرادة المذكورة شرط النهي يتوهم أنه إذا انتفت الإرادة ارتفع النهي ، وارتفاعه يستلزم جواز الإكراه وليس كذلك ، لأن ارتفاع النهي إنما يستلزم جواز الإكراه أن لو كان الإكراه متصورا حال انتفاء الإرادة ، ولا شك أنه لا يتصور إكراه الطائعة على الزنى فثبت أن عدم الإرادة لا يستلزم جواز الإكراه . والحاصل أن إكراههن على الزنى حرام حال إرادتهن التحصن وممتنع حال إرادتهن الفجور . وقوله تعالى :إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناًليس المقصود منه تقييد النهي بل المقصود منه تعيير المخاطبين وتوبيخهم بأن الإماء إذا رغبن في التحصن فأنتم حق بذلك ، مع ما فيه من الإشارة إلى تقبيح حالهن أيضا بكونهن راغبات في الزنى مائلات إلى البغاء حيث أتى بكلمة « أن » دون « إذا » . قوله :
( ولذلك حرم على المكره القتل ) وفي الهداية : وإن أكره بقتل على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه ويصبر حتى يقتل ، فإن قتله كان آثما لأن قتل المسلم لا يستباح لضرورة ما ، فكذا لهذه الضرورة والقصاص على المكره عند أبي حنيفة ومحمد . وقال الإمام الشافعي رحمه اللّه تعالى : يجب عليهما أي المكره والمكره . وقال زفر : يجب على المكره . ثم إن الإكراه إنما يحصل متى حصل التخويف بما يقتضي تلف النفس فأما باليسير من التخويف فلا تصير به مكرهة .