تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
عنهم كما يذبونهم عن أنفسهم . وإنما جاز الفصل بين « لولا » وفعله بالظرف لأنه منزل منزلته من حيث إنه لا ينفك عنه ولذلك يتسع فيه ما لا يتسع في غيره ، وذلك لأن ذكر الظرف أهم فإن التحضيض على أن لا يخلو بأوله .
وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ
( 12 ) كما يقول المستيقن المطلع على الحال .
لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ
( 13 ) من جملة المقول تقريرا لكونه كذبا فإن ما لا حجة عليه مكذب عند اللّه أي في حكمه ولذلك رتب الحد عليه .
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
« لولا » هذه لامتناع الشيء لوجود غيره . والمعنى : لولا فضل اللّه عليكم في الدنيا بأنواع النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة ورحمته في الآخرة بالعفو والمغفرة المقرران لكم .
لَمَسَّكُمْ
عاجلا
فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ
خضتم فيه
عَذابٌ عَظِيمٌ
( 14 ) يستحقر دونه اللوم والجلد .
إِذْ
ظرف « لمسكم » أو « أفضتم »
تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
والمعنى يأخذه بعضكم من بعض بالسؤال عنه . يقال : تلقى القول وتلقفه
شرح
ظننتم وقلتم ، وعدل عنه إلى الغيبة مع التصريح بصفة الإيمان تنبيها على أن اللائق بالمؤمن أن لا يظن بمؤمن مثله إلا الخير وأن يبرئه من السوء ومبالغة في التوبيخ . فإن أصل التوبيخ وإن حصل بأن قيل : لولا ظننتم بأنفسكم خيرا لكنه يزداد بالالتفات إلى الغيبة إذ فيه إشارة إلى أن شأن الإيمان يقتضي أن يظن المؤمن بأخيه خيرا ويذب عنه الطاعنين فيه بقوله :هذا إِفْكٌ مُبِينٌفمن ترك هذا الظن والذب فقد ترك العمل بمقتضى الإيمان وهذه المبالغة لا تحصل إلا بالأسلوب الأول . قوله : ( وإنما جاز الفصل بين لولا وفعله بالظرف ) يتضمن السؤال عن شيئين : الأول أن حرف التحضيض يجب أن يدخل على الفعل فكيف جاز دخوله على الظرف ؟ والثاني أن الظرف ههنا معمول لقوله :ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَوقالوا : فلم قدم على عامله ؟ أجاب عن الأول بأن للظروف شأنا ليس لغيرها وهو تنزيلها من الأشياء منزلة نفسها لوقوعها فيها من غير انفصال عنها ، وعن الثاني بأن الفائدة في تقديم الظرف بيان أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا عن الإثم والخنى أول ما سمعوا بالإفك بأن يظنوا بالمؤمنين خيرا ويقولوا هذا إفك مبين ولا يتكلموا به ولا يذيعوه ، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب تقديمه . قوله : ( يأخذه بعضكم من بعض ) يعني أن تلقي القول أخذه من الغير ، ومنه قوله تعالى :فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ[ البقرة : 37 ] وفسر التلقي بأخذ بعضهم من بعض لأن كل واحد من المتلقي والمتلقى منه داخل في هذا الخطاب . وصفهم اللّه تعالى بارتكاب ثلاثة آثام وعلق مس العذاب العظيم بها : أحدها تلقي الإفك بألسنتهم وذلك أن الرجل كان يلقى الرجل بقوله : ما وراءك ؟ فيحدثه بحديث الإفك حتى شاع واشتهر ولم يبق بيت ولا ناد إلا ذكر