الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
إذ الغالب أن المائل إلى الزنى لا يرغب في نكاح الصوالح ، والمسافحة لا يرغب فيها الصلحاء فإن المشاكلة علة الإلفة والتضام والمخالفة سبب النفرة والافتراق ، فكان حق المقابلة أن يقال : والزانية لا تنكح إلا من زان أو مشرك ، لكن المراد بيان أحوال الرجال في الرغبة فيهن لأن الآية نزلت في ضعفة المهاجرين لما هموا أن يتزوجوا بغايا يكرين أنفسهن لينفقن عليهم من أكسابهن على عادة الجاهلية ، ولذلك قدم الزاني .
وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
( 3 ) لأنه تشبه بالفساق وتعرض للتهمة وتسبب لسوء المقالة والطعن في النسب وغير ذلك من المفاسد ، وذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة . وقيل : النفي بمعنى النهي . وقد قرىء به . والحرمة على ظاهرها والحكم مخصوص بالسبب الذي ورد فيه أو منسوخ بقوله :
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ
[ النور : 32 ] فإنه يتناول المسافحات ويؤيده
شرح
طائِفَةٌ[ التوبة : 122 ] وكل ثلاثة فرقة والخارج من الثلاثة واحد واثنان ، والاحتياط بوجوب الأخذ بالأكثر ، ثم إنه تعالى لما بيّن عقوبة الزنى وحكمه وعقوبة من ارتكبه بيّن حكما ثانيا فقال تعالى :الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةًالآية ولما كان ظاهر النظم إخبارا بأن الزاني لا ينكح المؤمنة العفيفة وأن الزانية لا ينكحها المؤمن التقي وكان هذا الحصر عرفا غير ظاهر الصحة في حكم هذه الشريعة لأن الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف ، وكذا قوله تعالى :وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَفإنه أيضا غير ظاهر الصحة فإن المؤمن يحل له أن يتزوج بالمرأة الزانية . أشار المصنف رحمه اللّه تعالى إلى جوابه بأن حمل الإخبار المذكور على الأعم الأغلب على طريق قولك : لا يفعل الخير إلا رجل تقي مع أن بعض من لا يكون تقيا قد يفعل خيرا . فمراد القائل بيان أن ما وقع من الخير إنما يقع غالبا من التقي وهو لا ينافي وقوعه من غير التقي على قلة ، فكذا ههنا ، أو من حمل التحريم على التنزيه . قال الإمام النسفي : وأصح الأقاويل في هذه الآية الشريفة أنها تزهيد في حق نكاح البغايا . وتأويل ذلك أن أهل الإسلام والإيمان سبيلهم أن لا يرغبوا إلا في المسلمات العفيفات ، وأما الزاني فهو إنما يميل إلى من كان على مذهبه في الزنى أو إلى من لا يعتقد الإيمان فضلا عن أن يتفكر في التعفف ، والزانية أيضا إنما تميل إلى أحد الرجلين إما إلى زاني مثلها أو إلى مشرك شر منها . قوله : ( فكان حق المقابلة ) أي قوله تعالى :الزَّانِي لا يَنْكِحُأي لا يتزوج إنما يقابله قولنا : الزانية لا تنكح ولا تتزوج إلا من هو زان ، إلا أنه لما كان المقصود بيان أحوال الرجال وأن طائفة تميل إلى العفائف وطائفة تميل إلى الفواجر لم يراع حق المقابلة . قوله : ( والحكم مخصوص بالسبب الذي ورد فيه ) فالمعنى : وحرم نكاح البغايا قصدا للتوسع بما يأخذن في الزنى ، كما خطر ببال فقراء