وَأَصْلَحُوا
أعمالهم بالتدارك . ومنه : الاستسلام للحد أو الاستحلال من المقذوف .
والاستثناء راجع إلى أصل الحكم وهو اقتضاء الشرط لهذه الأمور ولا يلزمه سقوط الحد به كما قيل ، لأن من تمام التوبة الاستسلام له أو الاستحلال . ومحل المستثنى النصب
شرح
ذنب له تقبل شهادته ، فيجب أن تقبل شهادة من تاب عن القذف . وهذه المسألة مبنية على أن قوله :إِلَّا الَّذِينَ تابُواهل يرجع إلى جميع الأحكام المذكورة أو يختص بالجملة الأخيرة ؟ فعند أبي حنيفة رحمة اللّه تعالى عليه الاستثناء المذكور عقب الجمل الكثيرة مختص بالجملة الأخيرة . وعند الإمام الشافعي رحمة اللّه تعالى عليه يرجع إلى الكل لأن الواو للجمع المطلق فقوله تعالى :فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَجمل متعاطفة بالواو فصار الجميع كأنه ذكر معا لا تقدم للبعض على البعض ، فلما دخل عليه الاستثناء لم يكن رجوع الاستثناء إلى بعضها أولى من رجوعه إلى الباقي إذ لم يكن لبعضها تقدم على البعض في المعنى البتة ، فوجب رجوعه إلى الكل . ويؤيده أنّا أجمعنا على أنه لو قال : عبده حر وامرأته طالق إن شاء اللّه تعالى ، فإنه يرجع الاستثناء إلى الجميع فكذا فيما نحن فيه . واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمة اللّه عليهم على أن الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة بأنه لو رجع إلى جميع الجمل المتقدمة لوجب أن لا يجلد القاذف إذا تاب ، وهو باطل بالإجماع ، فوجب أن يختص بالجملة الأخيرة . فقال المصنف رحمة اللّه تعالى عليه بناء على مذهبه أن الاستثناء راجع إلى أصل الحكم وهو كون قذف المحصنات مقتضيا للجلد ورد الشهادة أبدا والتفسيق . والمعنى : من قذف محصنة فأجمعوا له الجلد والرد والتفسيق إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا ، فإن اللّه تعالى يغفر لهم جناية قذفهم فلا يعاقبهم عليها . ولما ورد أن يقال : فعلى هذا يلزم أن القاذف إذا تاب عن القذف قبل أن يجلد يسقط عنه الحد وهو لا يسقط بالإجماع ، أشار إلى جوابه بقوله : « ولا يلزمه سقوط الحد به كما قيل ، لأن من تمام توبته الاستسلام للحد أو الاستحلال » من المقذوف فإن للمقذوف أن يعفو عن موجب القذف قبل أن تشهد الشهود ويثبت القذف ، وأما بعد أن يرفع للقاضي ويثبت القذف بإقامة الشهود عليه فليس له أن يعفو بعده ، لأن المقذوف وإن استحق على القاذف أن يستوفي منه الحد ، إلا أنه لما اجتمع فيه حقان وحق الشرع فيه غالب فليس للمقذوف أن يعفو عن موجب القذف بعد ثبوته . قوله : ( ومحل المستثنى النصب ) لما تقرر في النحو من أنه يجوز النصب ويختار البدل فيما بعد « إلا » في كلام غير موجب والمستثنى منه مذكور كقولك : ما مررت بأحد إلا زيد بالجر على البدل من أحد وإلا زيدا بالنصب على الاستثناء ، ويجب نصبه في كلام موجب . وما في الآية لما كان راجعا إلى أصل الحكم وكان المعنى : ومن قذف المحصنات فاجمعوا لهم هذه الأمور ، كان الاستثناء في كلام موجب