قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
( 84 ) إن كنتم من أهل العلم أو من العالمين بذلك ، فيكون استهانة لهم وتقريرا لفرط جهالتهم حتى جهلوا مثل هذا الجلي الواضح وإلزاما بما لا يمكن لمن له مسكة من العلم إنكاره ، ولذلك أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا فقال :
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ
لأن العقل الصريح قد اضطرهم بأدنى نظر
شرح
أخبر عن جوابهم بقوله تعالى :سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَأي أفلا تتعظون بعد هذا الاعتراف فتعلمون أن من فطر الأرض ومن فيها اختراعا كان قادرا على إعادة الخلق حقيقا بأن لا يشرك به بعض خلقه في الربوبية واستحقاق العبادة ، لأن المستحق لها هو الرب الخالق دون الرب المربوب المخلوق الذي لا يضر ولا ينفع . فقوله تعالى :أَ فَلا تَذَكَّرُونَمعناه الترغيب في التدبر ليعلموا بطلان ما هم عليه قال تعالى أولا :أَ فَلا تَذَكَّرُونَثم قال تعالى بعده :أَ فَلا تَتَّقُونَ[ المؤمنون : 87 ] لأنهم بتذكرهم يصلون إلى المعرفة ، وبعد أن يعرفوه يعلمون أنه يجب عليهم اتقاء مخالفته ووجوب طاعته . وفي قوله تعالى :سَيَقُولُونَ لِلَّهِإشارة إلى أنهم لا يجدون بدا من أن يقولوا للّه ويعترفوا به لأنهم لو أنكروا ذلك جهلهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيظهر جهلهم عند كل الخلائق ، فلما اضطروا إلى الاعتراف بذلك توجه عليهم الإلزام بأن يقال لهم : فإذا عرفتم بأن ذلك كله للّه تعالى وهو خالقكم فكيف تركتم طاعته وخالفتم أمره ؟ وأنا لا أدعوكم إلا إلى أن توحدوه وتخلصوا العبادة له تعالى . وعلى هذا الأسلوب قوله تعالى :قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِأي لا بد لهم من أن يقروا بذلك فقل لهم : إذا عرفتم ذلك وأقررتم بهأَ فَلا تَتَّقُونَمخالفته وأمر نقمته وكذلك قوله تعالى :قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ[ المؤمنون : 88 ] الآية ذكر أولا الأرض ومن فيها ثم ترقى إلى ذكر ما هو أعظم من ذلك وهو السماوات السبع والعرش العظيم ، ثم ذكر ما يعم الموجودات بأسرها واختصاصه بملكوته . والملكوت الملك زيدت التاء فيه للمبالغة فيتناول الملك والملك . وقيل : المعنى خزائن كل شيء وقيل : ملكوت كل شيء روحه الذي هو من عالم الملكوت وذلك الشيء قائم به يسبح اللّه تعالى كما قال تعالى :وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ[ الإسراء : 44 ] وروح ذلك الشيء بيد اللّه تعالى . قوله تعالى :( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ )ذكر في هذا الموضع ثلاث مرات : أما الأولى فباللام باتفاق القراء جميعهم ، وأما الثانية والثالثة فقد قرئتا بوجهين « سيقولون للّه » و « اللّه » ، فمن قرأ « اللّه » فعلى لفظ السؤال لأنك لو قلت : من رب الدار ؟ يقال في جوابه :
زيد ، ومن قرأ « للّه » فقد حمل الجواب على معنى السؤال لأن قولك : من رب الدار ؟ معناه لمن الدار ؟ قال الشاعر :إذا قيل من رب السنان بموقف * ورب الجياد الجرد قيل لخالد