عتوهم واستكبارهم . واستكان استفعل من الكون لأن المفتقر انتقل من كون إلى كون ، أو افتعل من السكون أشبعت فتحته وليس من عادتهم التضرع وهو استشهاد على ما قبله .
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ
يعني الجوع فإنه أشد من الأسر والقتل
إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
( 77 ) متحيرون آيسون من كل خير حتى جاءك أعتاهم يستعطفك .
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
لتحسوا بها ما نصب من الآيات
وَالْأَفْئِدَةَ
لتتفكروا فيها وتستدلوا بها إلى غير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية .
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
( 78 ) تشكرونها شكرا قليلا ، لأن العمدة في شكرها استعمالها فيما خلقت لأجله والإذعان لمانحها من غير إشراك . و « ما » صلة للتأكيد .
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ
خلقكم وبثكم فيها بالتناسل
وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
( 79 ) تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم
وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
ويختص به تعاقبهما لا يقدر عليه غيره ، فيكون ردا لنسبته إلى الشمس حقيقة ، أو مجازا ، أو لأمره وقضائه تعاقبهما ، أو انتقاص أحدهما وازدياد الآخر .
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 80 ) بالنظر والتأمل أن الكل منا
شرح
هذه الآيات مدنية وجعلت السورة مكية اعتبارا للأغلب . والمعنى : لو كشف اللّه تعالى عنهم هذا الضر برحمته عليهم ووجدوا الخصب لارتدوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار وعداوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين ولذهب عنهم هذا الانكسار والتملق بين يديه يسترحمونه . واستشهد على مفهوم هذه الشرطية : بأنّا أخذناهم بعذاب يوم بدر فما وجدت منهم بعد ذلك استكانة ولا تضرع حتى فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل ، فما نكسوا ساعة ولأخضعت رقابهم فأرسلوا إليك أشدهم شكيمة في العناد يستعطفك . واستكان استفعل من الكون ومعناه تحول من كون إلى كون كاستحال بمعنى تحول من حال إلى حال ، أي ما تحولوا عن الحال السيئة التي هم عليها إلى الحال الحسنة . فإن باب الاستفعال قد يكون للتحول نحو : استحال الخمر ويجوز أن يكون افتعل من السكون أصله استكنوا فأشبعت الكاف فتولدت منها الألف أي ما سكنوا وما ذلوا وما خضعوا لربهم وما تضرعوا بل مضوا على تمردهم وحتى غاية لنفي الاستكانة والتضرع . ثم إنه تعالى ذكرهم نعمه التي أنعم بها عليهم ليؤدوا بذلك الشكر له عليها ، لكنه ذكر أمهات النعم التي هي السمع والبصر والفؤاد التي بها يتوصل إلى معرفة كل نافع وضار وكل طيب وخبيث . فأخبر اللّه تعالى أنه أعطاهم ما يعرفون به النافع من الضار والطيب من الخبيث مشاهدة وسماعا ، وما به يميزون بعض الأشياء ويختارون ما هو المختار عندهم ليتأدى بذلك شكره وشكر كل نعمة استعمالها في طاعة المنعم وعبوديته ، كاستعمال الحواس في استعمال ما نصب من الآيات واشتغال القلب في تفكر تلك الآيات ، والاستدلال بها على ما يجب عليهم من الاستكمال ، والتحلي بالكمالات