تَهْجُرُونَ
( 67 ) من الهجر بالفتح إما بمعنى القطيعة أو الهذيان أي تعرضون عن القرآن أو تهذون في شأنه . والهجر بالضم الفحش . ويؤيد الثاني قراءة نافع « تهجرون » من أهجر . وقرىء « تهجرون » على المبالغة
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ
أي القرآن ليعلموا أنه الحق من ربهم بإعجاز لفظه ووضوح مدلوله .
أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ
( 68 ) من الرسول والكتاب أو من الأمن من عذاب اللّه فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون كإسماعيل وأعقابه فآمنوا به وكتبه ورسله وأطاعوه .
شرح
« مستكبرين » . قال صاحب الكشاف : عفا اللّه تعالى عنه السامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع . وقال الزجاج : السامر الجماعة الذين يتحدثون ليلا على تقدير أن يتعلق « به » بقوله :
« سامرا » قدم عليه لأنه لما كانت عامة سمرهم بذكره صاروا كأنهم لا يسمرون إلا به . وقرأ العامة « تهجرون » بفتح التاء وضم الجيم من الهجر بفتح الهاء وقد يكون بمعنى الهجران والترك والقطع ، أي تهجرون آيات اللّه ورسوله وتزهدون فيهما ولا تصلونهما . وقد يكون بمعنى الهذيان يقال : هجر المريض هجرا إذا هذى ، والهجر بضم الهاء اسم بمعنى القول القبيح يقال : هجر يهجر هجرا بالفتح وهجر وأهجر في منطقه إذا قال قولا قبيحا . والاسم منه الهجر بالضم . وقرىء بهن جميعا أي قرىء « تهجرون » و « تهجرون » . ثم إنه تعالى لما وصف حال الكفرة الذين فرقوا دينهم رد عليهم بأن بيّن أن إقدامهم على هذه الجهالة والضلالة لا بد أن يكون لأحد أمور أربعة : أحدها أن لا يتأملوا في دليل نبوته وهو القرآن المعجز الذي يستلزم التدبر فيه معرفة الصانع ووحدانيته وجميع ما يجب على المكلف في باب الاعتقاد والعمل ، فلم لا يتدبرون فيه ليتركوا الباطل ويرجعوا إلى الحق ؟ وثانيها أن يعتقدوا أن بعثة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أمر غريب لم يسمع ولم يرو عن الأمم السالفة وليس كذلك ، لأنهم قد عرفوا بالتواتر أن الرسل كانت ترسل إلى الأمم على سبيل التتابع ويثبت كل واحد منهم ما ادعاه من الرسالة بإظهار المعجزات ، وكانت الأمم بين مصدق ناج ومكذب هالك بعذاب الاستئصال ، وإنما دعاهم إلى ذلك عدم تصديق الرسل عليهم الصلاة والسّلام .
وثالثها أن لا يكونوا عالمين بأمانة مدّعي الرسالة وصدقه قبل ادّعائه للنبوة وليس كذلك ، فإنهم عرفوا منه عليه الصلاة والسّلام قبل ادّعائه الرسالة كونه في نهاية الأمانة والصدق والتنزه عن الكذب والأخلاق الذميمة ، فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على تسميته بالأمين الصادق ؟ ورابعها أن يعتقدوا فيه الجنون فيقولون : إنه حمله على ادّعائه الرسالة جنونه ، وهذا أيضا ظاهر الفساد لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس والمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة والشرائع الكاملة ؟ ثم إنه تعالى لما ذكر مبنى ضلالتهم وبيّن فساده قال : بل ( جاءهم الحق ) أي ليست ضلالتهم مبنية على شيء من هذه