يعني الملائكة المنزلين منه لكرامتهم عليه منزلة المقربين عند الملوك . وهو معطوف على « من في السماوات » وإفراده للتعظيم أو لأنه أعمّ منه من وجه . أو المراد به نوع من الملائكة متعال على التبوء في السماء والأرض أو مبتدأ خبره
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
لا يتعظمون عنها .
وَلا يَسْتَحْسِرُونَ
( 19 ) ولا يعيون منها . وإنما جيء بالاستحسار الذي هو أبلغ من الحسور تنبيها على أن عبادتهم
بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ولا يستحسرون .
شرح
قوله : ( يعني الملائكة المنزلين منه لكرامتهم الخ ) يعني أن المراد من العندية عندية الشرف لا عندية المكان والجهة ، و « عند » وإن كان من الظروف المكانية إلا أنه شبه قرب الشرف والمنزلة بقرب المكان والمسافة فعبّر عن المشبه بلفظ المشبه به . قوله : ( وإفراده للتعظيم ) يعني أن قوله :وَمَنْ عِنْدَهُمعطوف علىمَنْ فِي السَّماواتِوالمراد به الملائكة بإجماع المفسرين فيكون عطفه على« مَنْ فِي السَّماواتِ »من قبيل عطف الخاص على العام تنبيها على شرفه لأن« مَنْ فِي السَّماواتِ »يتناول من عنده لا محالة وقوله :لا يَسْتَكْبِرُونَحال من قوله :« مَنْ فِي السَّماواتِ »وما عطف عليه إن جعل مرفوعا على أنه فاعل الظرف على رأي الأخفش ، وإن جعل مرفوعا على الابتداء و « له » خبره فحينئذ لا ينتصب الحال إلا على رأي من يجوّز مجيء الحال من المبتدأ لا عند غيره فيكون إما من الضمير المستكن في عنده الواقع صلة أو من الضمير المستكن في « له » الواقع خبرا ويحتمل أن يكون « من عنده » مبتدأ « ولا يستكبرون » خبره وتكون هذه الجملة معطوفة على الجملة التي قبلها . قوله : ( أو لأنه أعمّ منه من وجه ) فإن قوله :مَنْ عِنْدَهُبمعنى المكرم عنده وفي منزلة منه كما يتناول ملائكة السماوات والأرض يتناول الملائكة الذين لا يتبوأون في المكان ، فإن ملائكة السماوات عنصريون مخلوقون مما خلق منه السماوات ومن الملائكة نوع متعال عن التبوء في السماء والأرض لتجردهم من المواد العنصرية فلا يكون من عنده أخص مطلقا بالنسبة إلى من في السماوات والأرض ، بل يكون أخص منه من وجه . ويجوز أن يكون مباينا له بأن يراد به النوع المتعالي عن التبوء .
قوله : ( وإنما جيء بالاستحسار ) جواب عما يقال : المناسب لمقام توصيف الملائكة بالاجتهاد في العبادة ومواظبتهم عليها أن يقال : لا يحسرون بمعنى أنهم لا يطرأ عليهم شيء من الإعياء والفتور ولا يستحسرون ، لا يفيد هذا المعنى لأنه يدل على أنه لا يطرأ عليهم غاية الحسور وأقصاه وهذا المعنى لا يلائم المقام ، يقال : حسر البعير يحسر حسورا إذا أعيى وأحسر مثله ، واستحسر أبلغ منهما ، وقد يكون استفعل بمعنى فعل نحو : قر واستقر فلا سؤال ولا جواب . والتسبيح بالنسبة إلى الملائكة كالتنفس بالنسبة إلينا فكما أن قيامنا وقعودنا