لاعِبِينَ
( 16 ) وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع تبصرة للنظار وتذكرة لذوي الاعتبار وتسبيبا لما ينتظم به أمور العباد في المعاش والمعاد ، فينبغي أن يتسلقوا بها إلى تحصيل الكمال ولا يغتروا بزخارفها فإنها سريعة الزوال .
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً
ما يتلهى به ويلعب
لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا
من جهة قدرتنا أو من عندنا مما يليق لحضرتنا من المجردات لا من الأجسام المرفوعة والأجرام المبسوطة كعادتكم في رفع السقوف وتزويقها وتسوية الفرش وتزيينها . وقيل : اللهو الولد بلغة اليمن . وقيل : الزوجة والمراد
شرح
المفعول الثاني أي يجوز أن يكون « خامدين » صفة « لحصيدا » فإنه مفرد في معنى الجمع وأن يكون حالا من الضمير المستكن في « حصيدا » وقوله : « خامدين » استعارة تبعية . شبّه الموت بخمود النار وانطفائها فأطلق عليه اسم الخمود ثم اشتق منه « خامدين » . قوله : ( فينبغي أن يتسلقوا بها ) أي أن يلقوا ويقعوا بسببها فإن تسلق مطاوع لقولك : سلقته سلقا إذا ألقيته على ظهره وربما يقال : سلقيته سلقاء بزيادة الياء . وأشار المصنف به إلى وجه تعلق هذه الآية بما قبلها وهو أنه تعالى لما بيّن إهلاك القرى لأجل تكذيبهم اتبعه بما يدل على أنه فعل ذلك عدلا منه ومجازاة على ما فعلوه ، وهو أنهم ضيعوا ما خلقه اللّه تعالى لفوائد دينية ودنيوية . أما الدينية فهي أن يتفكر المكلفون فيها ويستدلوا بها على عظمة اللّه وكبريائه وكمال قدرته وحكمته . وأما الدنيوية فهي ما يتعلق بها من المنافع التي لا تعد ولا تحصى فمن اغتر بزخارفها ولم يتسلق بها إلى الاستكمال بالكمالات العلمية والعملية فجدير بأن يهلك ويجعل نكالا وعبرة لغيره . ثم إنه تعالى لما ذكر أنه لم يخلق هذا السقف المرفوع والمهاد المبسوط وما بينهما من بدائع الموجودات وغرائب المصنوعات لأن يتلهى به ويلعب . بيّن أنه لم يتخذ ما يتلهى به ويلعب من حيث إن الحكمة صارفة عنه لا من جهة عدم القدرة على اتخاذه فقال :لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواًأي ما يتلهى به على أنه مصدر بمعنى المفعول يقال : لهوت بالشيء بالفتح ألهو لهوا إذا لعبت بهلَاتَّخَذْناهُمن جهة قدرتنا عليه لكنا لم نتخذه لعدم إرادتنا اتخاذه . ومن فسر اللهو بالولد والمرأة فقد أخرج الكلام عن الالتئام بما قبله . قال الإمام الواحدي : اللهو طلب التروح للنفس ثم المرأة تسمى لهوا وكذا الولد لأنه يتروح بكل واحد منهما ، ولهذا يقال لامرأة الرجل وولده ريحانتاه .
والمعنى لو أردنا أن نتخذ امرأة ذات لهو وولدا ذا لهولَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّاأي مما نصطفيه ونختاره مما نشاء من خلقنا كقوله :لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ[ الزمر : 4 ] وقال المفسرون : أي من الحور العين وهذا رد لقول اليهود في عزير وقول النصارى في المسيح وأمه من كونهما ولدا وصاحبة ، ومعنىمِنْ لَدُنَّامن عندنا أي بحيث لا يجري لأحد فيه تصرف لأن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره . انتهى .