لكم فيها منافع درها ونسلها وصوفها وظهرها إلى أن تنحر ثم وقت نحرها منتهية إلى البيت أي ما يليه من الحرم . و « ثم » يحتمل التراخي في الوقت والتراخي في الرتبة أي لكم فيها منافع دنيوية إلى وقت النحر وبعده منافع دينية أعظم منها وهو على الأولين ، إما متصل بحديث الأنعام والضمير فيه لها أو المراد على الأول لكم فيها منافع دينية تنتفعون بها إلى أجل مسمى هو الموت ثم محلها منتهية إلى البيت العتيق الذي ترفع إليه الأعمال ، أو يكون فيه ثوابها وهو البيت المعمور أو الجنة . وعلى الثاني لكم فيها منافع التجارات في الأسواق إلى وقت المراجعة ثم وقت الخروج منها منتهية إلى الكعبة بالإحلال بطواف الزيارة .
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ
ولكل أهل دين .
جَعَلْنا مَنْسَكاً
متعبدا أو قربانا يتقربون به إلى اللّه . وقرأ حمزة والكسائي بالكسر أي موضع نسك .
لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
دون غيره ويجعلوا نسيكتهم لوجهه علل الجعل به ، تنبيها على أن المقصود
شرح
بلبن الهدي وصوفه ووبره وركوب ظهره إلى أن ينحره . وذهب أكثر المفسرين إلى أن المهدي إنما يجوز له ذلك قبل أن يسميها هديا ويقلدها فإذا سماها هديا انقطعت المنافع بعد ذلك وهو قوله تعالى :إِلى أَجَلٍ مُسَمًّىفإن المهدي لو ملك منافع الهدي لجوز له أن يؤجرها للركوب وليس له ذلك اتفاقا . وفيه أن مولى أم الولد يملك الانتفاع بها وليس له أن يبيعها فلم لا يجوز أن يكون الهدي كذلك لا يملك المهدي بيعه وإجارته ويملك أن ينتفع به ؟ قوله : ( ثم وقت نحرها منتهية إلى البيت ) إشارة إلى أن المحل اسم زمان بتقدير المضاف بمعنى وقت نحرها أي وقت حلول نحرها ووجوبه ، لأن المحل مشتق من حل الدين إذا وجب ومحلها معطوف على قوله :مَنافِعُوإلى أن قوله تعالى :إِلَى الْبَيْتِحال من ضمير فيها والعامل في الحال الاستقرار الذي تعلق به كلمة « في » والمعنى : ثم بعد تلك المنافع هذه المنفعة العظمى وهي وقت نحرها حال كونها منتهية إلى البيت العتيق أي إلى الحرم الذي في حكم البيت . فإن المراد به الحرم كله كما في قوله تعالى :فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا[ التوبة : 28 ] إذ الحرم في حكم البيت كله فإن البيت وما حوله من مكة تنزه عن إراقة دم الهدايا وجعل منى منحرا . ولا شك أن الفائدة التي هي أعظم المنافع الدينية في الشعائر هي نحرها خالصا للّه تعالى وجعل وقت وجوب نحرها فائدة عظيمة مبالغة في ذلك فإن وقت الفعل إذا كان فائدته جليلة فما ظنك بنفس الفعل ؟ قوله :
( وهو على الأولين ) أي قوله تعالى :لَكُمْ فِيها مَنافِعُالآية على أن يكون المراد بشعائر اللّه جميع ما يتقرب به إلى اللّه تعالى من معالم الدين ، وعلى أن يراد به فرائض الحج ومواضع النسك المعلمة بعلامات يستدل بها على الأعمال الواقعة فيها . قوله : ( متعبدا أو قربانا ) مصدران بمعنى التعبد والتقرب أي جعلنا لكل أمر أمة نوعا أي ضربا من التعبد والتقرب ،