تعميم بعد تخصيص ، فإن عبادة الأوثان رأس الزور . كأنه لما حث على تعظيم الحرمات أتبعه ذلك ردا لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب وتعظيم الأوثان والافتراء على اللّه بأنه حكم بذلك . وقيل : شهادة الزور لما روي أنه عليه السّلام قال :
« عدلت شهادة الزور الإشراك باللّه ثلاثا » وتلا هذه الآية . والزور من الزور وهو الانحراف كما أن الإفك من الإفك وهو الصرف فإن الكذب منحرف مصروف عن الواقع .
حُنَفاءَ لِلَّهِ
مخلصين له
غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ
وهما حالان من الواو
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ
لأنه سقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر .
فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ
فإن الأهواء المردية توزع أفكاره . وقرأ نافع بفتح الخاء وتشديد الطاء .
أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ
( 31 ) بعيد فإن الشيطان قد طرح به في الضلالة وأو للتخيير كما في قوله :
أَوْ كَصَيِّبٍ
[ البقرة : 19 ] أو للتنويع فإن من المشركين من لا خلاص له أصلا . ومنهم من يمكن خلاصه بالتوبة ولكن على بعد .
ويجوز أن يكون من التشبيهات المركبة فيكون المعنى : ومن يشرك باللّه فقد هلكت نفسه
شرح
داخلا في تعظيم حرماته للتنبيه على أن التوحيد وصدق القول من أعظم الحرمات . وجمع الشرك وقول الزور في سلك واحد لأن الشرك من باب الزور بل هو رأس الزور ، فإن المشرك يزعم أن الوثن يحق له العبادة وكان أهل الجاهلية يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا لك تملكه ومالكه . فكأنه قيل : فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور واجتنبوا قول الزور كله ولا تقربوا شيئا منه ، فما ظنك بشيء من قبيل عبادة الأوثان ؟
وأشار المصنف رحمة اللّه تعالى عليه إلى وجه ارتباط قوله تعالى :وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُوقوله :فَاجْتَنِبُواإلى قول :الزُّورِبقوله : « كأنه لما حث على تعظيم الحرمات اتبعه قوله :وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُردا لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب » .
واتبعه بقوله أيضا :فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِواتبعه بقوله تعالى :وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِردا لافترائهم على اللّه تعالى بأنه حكم بذلك .
قوله : ( وقيل شهادة الزور ) عطف على قوله : « تعميم بعد تخصيص » فإنه يدل على أن المراد بالقول الزور ما يعم كل قول منحرف مصروف عن الواقع سواء كان من قبيل الشهادة أو لا . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم صلى الصبح ، فلما سلم قام قائما واستقبل بوجهه الكريم وقال : « الزور الإشراك باللّه » ثلاث مرات وتلا صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية . قوله : ( طوح به ) أي جعله تائها يرمي به ههنا وههنا . الجوهري : طوحه أي توهه وذهب به ههنا وههنا ، وتطوح في البلاد أي رمى بنفسه ههنا وههنا . قوله : ( ويجوز أن يكون من التشبيهات ) عطف على ما قبله من حيث المعنى فإن معنى ما ذكره أولا يدل على أنه من قبيل التشبيه المفرق حيث أشار إلى أن كل واحد من