وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ
أي واذكر إذ عيناه وجعلناه له مباءة .
وقيل : اللام زائدة ومكان ظرف أي وإذ أنزلناه فيه . وقيل : رفع البيت إلى السماء أو انطمس أيام الطوفان فأعلمه اللّه مكانه بريح أرسلها فكنست ما حوله فبناه على أسه القديم .
أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ
شرح
من أتى فيه بإلحاد ظلما على أن الباء للتعدية . قوله : ( واذكر إذ عيناه وجعلناه له مباءة ) المباءة اسم مكان من باء بمعنى رجع . وأصل التبوء جعل المكان مباءة ومقرا ومعناه ههنا جعله لإبراهيم عليه الصلاة والسّلام مكان البيت مباءة أي مرجعا يرجع إليه للعبادة والعمارة . وعن الزجاج رحمة اللّه عليه : « بوأنا » له ههنا أي بينا له ههنا مكان البيت ليبنيه ويكون مباءة له ولعقبه يرجعون إليه ويحجونه ، لأنه رفع زمان الطوفان فبينه اللّه تعالى بأن أرسل ريحا حجوجا فكشفت الأساس القديم . إلا أنه لما كان المقصود من التبيين والتعيين أن يتخذه مقرا ومباءة اتبعه المصنف رحمة اللّه تعالى عليه قوله : « وجعلناه له مباءة » ولما كان منقولا من باء بمعنى رجع لقصد التعدية كان الظاهر أن يقال : وإذ بوأنا إبراهيم بدون اللام ، وأشار المصنف رحمة اللّه عليه بقوله : « وجعلناه له مباءة » إلى أن مكان البيت مفعول به « لبوأنا » وأن إيراد اللام مبني على تضمين « بوأنا » معنى جعلنا . ولم يرض المصنف رحمة اللّه عليه بقول من قال : اللام زائدة في المفعول به « ومكان البيت » ظرف ، لما تقرر من أن اللام إنما تزاد إذا تقدم المعمول وكان العامل فرعا وشيء منهما غير متحقق ههنا ، ولأن « مكان البيت » ظرف فحقه أن يتعدى الفعل إليه بكلمة « في » . روي أن الكعبة الكريمة بنيت خمس مرات : إحداها بناء الملائكة إياها قبل آدم وكانت من ياقوت حمراء ثم رفعت إلى السماء أيام الطوفان . والثانية بناء إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، روي أنه تعالى لما أمر إبراهيم ببناء البيت لم يدر أين يبني فأرسل اللّه تعالى إليه السكينة وهي ريح حجوج فتطوت موضع البيت كالجحفة فكشفت البيت أي ما حول البيت وأظهرت الأساس القديم فبناها عليه الصلاة والسّلام على أسها القديم . والمرة الثالثة بناء قريش في الجاهلية وقد حضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذا البناء ، وكان عليه الصلاة والسّلام يومئذ رجلا شابا فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فأرادت كل قبيلة أن تتولى رفعه ، ثم توافقوا على أن يحكم بينهم أول رجل يخرج من هذه السكة فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أول من خرج فقضى بينهم أن يجعلوه في مرط ثم يرفعه جميع القبائل كلهم فرفعوه ، ثم ارتقى عليه الصلاة والسّلام فرفعوه إليه فوضعه في مكانه . وكانوا يدعونه الأمين قيل : بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة . والمرة الرابعة بناء عبد اللّه بن الزبير . والخامسة بناء الحجاج وهو البناء الموجود اليوم .