وَأْتُونِي
أنتم وأبي
بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
( 93 ) بنسائكم وذراريكم ومواليكم .
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ
من مصر وخرجت من عمرانها
قالَ أَبُوهُمْ
لمن حضره
إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ
أوجده اللّه ريح ما عبق بقميصه من ريحه حين أقبل به إليه يهودا من ثمانين فرسخا
لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ
( 94 ) تنسبوني إلى الفند وهو نقصان عقل يحدث
شرح
قال : « أما قوله :اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذافإن نمرود الجبار لما ألقى إبراهيم عليه الصلاة والسّلام في النار نزل إليه جبريل عليه الصلاة والسّلام بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه فكسا إبراهيم ذلك القميص إسحاق وكساه إسحاق يعقوب وكساه يعقوب يوسف عليهم الصلاة والسّلام فجعله في قصبة من فضة وعلقها في عنقه فألقي في الجب والقميص في عنقه ، فذلك قوله عليه الصلاة والسّلام :اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراًالآية . وقال مجاهد رحمه اللّه تعالى : أمره جبريل عليه السّلام أن أرسل إليه قميصك فإن فيه ريح الجنة لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا صح وعوفي . وقال الحسن رحمة اللّه تعالى عليه : قدم احتمال أن يكون المراد من القميص القميص الذي كان عليه ولعل وجهه أنه اختار فيما قبل أن يكون المراد من قوله تعالى :وَابْيَضَّتْ عَيْناهُأنه كثر بكاؤه بحيث صارت عيناه كأنهما ابيضتا بياض العبرة . ولم يرض بما قيل من أن المراد ضعف بصره أو عمى ، فعلى هذا التقدير من أن يوسف عليه الصلاة والسّلام لما وقع العتاب بينه وبين إخوته وسألهم عن حال أبيه فأجابوه بأن أباك قد ذهبت عيناه ، يكون مرادهم أنه غرقت عيناه في دموعه منذ فارقته ، ويكون يوسف عليه الصلاة والسّلام عالما بأن أباه ما صار أعمى ولا ضعف بصره وأنه لم يصبه إلا ضيق القلب والمواظبة على البكاء وأنه إذا أخبره البشير بسلامة ابنه وألقى قميصه على وجهه يتسلى قلبه ويسكن بكاؤه ، وهو الذي أراد بقوله :يَأْتِ بَصِيراًوهذا المعنى لا يتوقف معرفته على ورود الوحي بل العقل يحكم بذلك . قوله : ( أنتم وأبي ) على تغليب المخاطبين على الغائب .
قال الكلبي رحمه اللّه : كان أهل يعقوب أكثر من سبعين إنسانا . وقال مسروق : دخل قوم يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون من بين رجل وامرأة . روي أن يهودا حمل القميص وقال :
أحزنته بحمل القميص الملطخ بالدم إليه فأفرحه كما أحزنته . وقيل : حمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسافة ثمانين فرسخا . قوله : ( أوجده اللّه تعالى ريح ما عبق بقميصه ) أي لزق ولصق به فوجده بحاسة الشم على سبيل إظهار المعجزات ، لأن وصول الرائحة إليه من المسافة البعيدة أمر مناقض للعادة فتكون معجزة ، ولكن كونها معجزة تكون منهما والأقرب أنها معجزة ليعقوب عليه الصلاة والسّلام حيث نسبوه في هذا الكلام إلى ما لا ينبغي ، وظهر أن الأمر كما ذكر فكانت معجزة له . قال أهل المعاني : إن اللّه تعالى