جبرائيل يغذوه حتى استقل .
فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
من تربة موطئه .
والقبضة المرة من القبض فأطلق على المقبوض كضرب الأمير . وقرىء بالصاد . والأول الأخذ بجميع الكف والثاني الأخذ بأطراف الأصابع ونحوهما الخضم والقضم . والرسول جبرائيل عليه الصلاة والسّلام ولعله لم يسمه لأنه لم يعرف أنه جبرائيل ، أو أراد أن ينبه على الوقت وهو حين أرسل إليه ليذهب به إلى الطور
فَنَبَذْتُها
في الحلي المذاب أو في جوف العجل حتى حيى .
وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
( 96 ) زينته وحسنته لي
قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ
عقوبة على ما فعلت
أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ
خوفا من أن يمسك أحد فتأخذك الحمى ، ومن مسك فتحامى الناس ويحاموك وتكون طريدا وحيدا كالوحشي النافر . وقرىء « لا مساس » كفجار وهو علم للمسة .
وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً
في الآخرة
لَنْ تُخْلَفَهُ
لن يخلفكه اللّه وينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك في الدنيا . وقرأ ابن كثير والبصريان بكسر اللام أي لن تخلف الواعد إياه وستأتيه لا محالة ، فحذف المفعول الأول لأن المقصود هو الموعد . ويجوز أن يكون من أخلفت
شرح
بني إسرائيل ، فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها بحيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان ويربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس . فكان السامري ممن أخذه جبريل وجعل كف نفسه في فيه فارتضع مثل العسل واللبن ولم يزل يختلف إليه وهو يعرفه ، فلذلك عرفه حين رآه راكب حيزوم وقد أرسله اللّه تعالى إليه . ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة . قوله :
( يغذوه حتى استقل ) أي يربيه حتى استغنى عن تربية الغير . والغذاء ما يغتذى به من الطعام والشراب . والموطىء موضع القدم من : وطئت الشيء برجلي . قوله : ( إن تقول لا مساس ) أي لا يمس بعضنا بعضا فكان بعد ذلك يعيش في البرية مع السباع والوحوش لا يمس ولا يمس ، وإن اتفق أن يماس أحدا رجلا كان أو امرأة حم الماس والممسوس فتحامى الناس وتحاموه فصار في الناس أوحش من القاتل اللاجىء إلى الحرم ومن الوحشي النافر في البرية . فإن من لزمه القتل في الحل فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له عند أبي حنيفة إلا أنه لا يطعم ولا يسقى ولا يباح حتى يضطر إلى الخروج فيقتل هناك ، فإذا أراد أحد أن يمسه يصيح قائلا : لا مساس أي لا أمس ولا أمس خوفا من الحمى . ثم قيل : المراد من المماسة المنفية المس الحقيقي . وقيل : ما يعم جميع أنواع المعاملة من المكالمة والمواكلة ونحوهما . قرأ العامة « لا مساس » بكسر الميم وفتح السين الأخيرة وهو مصدر فاعل كالقتال مصدر قاتل .
وقرىء بفتح الميم وكسر السين وهو علم للمسة وهي المرة الواحدة من المس كالفجار علم للفجرة ، فإن فعال على أربعة أقسام : اسم كنزال ، وصفة للمؤنث كفساق بمعنى فاسقة ، وعلم للأعيان المؤنثة كقطام ، وعلم للمصدر كفجار وعباب وأباب ، فإنها أعلام للفجرة