فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ
( 87 ) أي ما كان معه منها . روي أنهم لما حسبوا أن العدة قد كملت قال لهم السامري : إنما أخلف موسى ميعادكم لما معكم من حلي القوم وهو حرام عليكم ، فالرأي أن نحفر حفيرة ونسجر فيها نارا ونقذف كل ما معنا فيها ففعلوا . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر وروح « حملنا » بالفتح والتخفيف .
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً
من تلك الحلي المذابة
لَهُ خُوارٌ
صوت العجل
فَقالُوا
يعني السامري ومن افتتن به أول ما رأوه .
هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ
( 88 ) أي فنسيه موسى وذهب يطلبه عند الطور ، أو فنسي السامري أي ترك ما كان عليه من إظهار الإيمان .
أَ فَلا يَرَوْنَ
أفلا يعلمونأن لا
يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا
أنه لا يرجع إليهم كلاما ولا يرد عليهم جوابا . وقرىء « يرجع » بالنصب وفيه ضعف لأن « أن » الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين .
وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً
( 89 ) ولا يقدر على إنفاعهم وإضرارهم .
وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ
من قبل رجوع موسى أو قول السامري كأنه أول ما وقع عليه بصره حين طلع من الحفرة توهم ذلك وبادر تحذيرهم .
يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ
بالعجل
وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ
لا غير
فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي
( 90 ) في الثبات على الدين .
قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ
على العجل وعبادته
عاكِفِينَ
مقيمين
شرح
قوله : ( فنسيه موسى ) فيكون هذا من كلام السامري ، وإن كان ضميرفَنَسِيَللسامري يكون هذا من كلام اللّه تعالى ويكون النسيان مجازا عن لازمه الذي هو الترك ، كأنه تعالى أخبر عن السامري أنه ترك ما كان عليه من إظهار الإيمان أو أنه استدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء . ثم بيّن ما يستدل به على ذلك بقوله :أَ فَلا يَرَوْنَأن لايَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًاأي استدلال على أنه لا يصلح أن يكون إلها بأن من لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر كيف يكون إلها ؟ والحال أنه الإله ينبغي أن يكون سامعا بدعاء عابدة نافعا له دافعا عنه المضار مثيبا ومعاقبا ، كما قال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام :لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً[ مريم : 42 ] وقرأ العامة « أن لا يرجع » برفع « يرجع » على أن كلمة « أن » هي المخففة من الثقيلة ، ويدل على ذلك وقوع أصلها وهي الثقيلة في قوله :أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا[ الأعراف : 148 ] روي عن الزجاج أنه قال : الاختيار الرفع بمعنى أنه لا يرجع كقوله :وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ[ المائدة : 71 ] بمعنى أنه لا تكون . ولا وجه لكون الرؤية ههنا بصرية لأن عدم رده عليهم جوابا ليس مما يبصر و « أن » الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين لأنها تجعل الجملة في تأويل المفرد فيلزم الاقتصار على أحد المفعولين وهو غير جائز في هذه