أن يكون تمثيلا لتمكنه في علمه بما استحفظه العالم وقيده بالكتبة ويؤيده :
لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
( 52 ) والضلال أن تخطىء الشيء في مكانه فلم تهتد إليه ، والنسيان أن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك وهما محالان على العالم بالذات . ويجوز أن يكون سؤاله دخلا على إحاطة قدرة اللّه بالأشياء كلها وتخصيصه أبعاضها بالصور والخواص
شرح
قيل : علم اللّه تعالى صفة قائمة بذاته فكيف يكون مثبتا في كتاب والصفة القائم بالشيء لا تكون مثبتة في غيره ؟ فالجواب أن المراد بإثباته إثبات متعلقاته التي هي الأحكام المعلومة به .
وأشار المصنف إلى جوابه بقوله : « ويجوز أن يكون تمثيلا » أي يجوز أن لا يكون المعنى أن علمها مثبت في الكتاب حقيقة بل يكون قوله إنه مثبت في الكتاب استعارة تمثيلية . شبّه تمكن بال القرون الماضية في علمه ببقاء المكتوب في الكتاب فكأنه قيل : إن بالها في استقرار علمه عند اللّه بحيث لا يزول شيء منها عن علمه تعالى كالشئ الذي استحفظه العالم وقيده بالكتبة ، فيكون المقصود بقوله :فِي كِتابٍتأكيد قوله :عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي .قوله : ( ويؤيده لا يضل ربي ولا ينسى ) فإن الظاهر أنه استئناف لا محل له من الإعراب جيء به تعليلا لما سبق من استقرار حال القرون الأولى عنده تعالى استقرار الشيء المكتوب في الكتاب . ووجه التعليل أنه عليه الصلاة والسّلام لم يذكر مفعول « لا يضل » « ولا ينسى » ليعم الأشياء كلها ، فلما كان تعالى بحيث لا يضل ولا يخطئ شيئا من الأشياء بحيث لا يهتدي إليه بل كانت بأسرها حاضرة عنده بذواتها لا يغيب عنه شيء منها ، وما علم من ذلك لا ينساه أبدا ثبت بذلك أن علم أحوال القرون الأولى مستقر عنده كأنه في كتاب . فيكون انتظام الكلام هكذا : إن فرعون طلب بقوله :فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولىتفصيل ما سبق من قوله :وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدىوأَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىفأجابه موسى بقوله :عِلْمُها عِنْدَ رَبِّيوأنها مع ذلك مثبتة في اللوح المحفوظ أيضا لحكمة لا يعلمها إلا هو ، أو بقوله :عِلْمُها عِنْدَ رَبِّيكأنهافِي كِتابٍثم علل إحاطة علمه تعالى بها بقوله :لا يَضِلُّ رَبِّيأي لا يخطئ ربي شيئا من الأشياء بمعنى أنه عالم بكل المعلومات وما علم منها لم ينسه أبدا بل يبقى ذلك العلم أبد الآباد . وهذا على تقدير كون قوله :لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسىمستأنفا لا محل له من الإعراب . ويحتمل أن يكون في محل الجر على أنه صفة « لكتاب » والعائد محذوف والتقدير في كتاب لا يضله ربي بحيث لا يهتدي إليه أي لا يخطئ ذلك الكتاب ربي ولا ينساه أي لا ينسى ما فيه يقال : ضللت الشيء أضله من باب ضرب وضللت الشيء أضله من باب علم ، وكلاهما لغتان مشهورتان واللغة الأولى أشهر .
قوله : ( ويجوز أن يكون سؤاله دخلا ) عطف على قوله : « فلم ير إلا صرف الكلام عنه » أي عن السؤال عن ربهما من هو إلى أن يسأل عن تفصيل حال الأمم الماضية . فإنه لما سأل عن