تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 624

مساهمون:

ص٦٢٤
بعد ما أتياه وقالا له ما أمرا به . ولعله حذف لدلالة الحال عليه فإن المطيع إذا أمر بشيء فعله لا محالة . وإنما خاطب الاثنين وخص موسى بالنداء لأنه الأصل وهارون وزيره وتابعه ، أو لأنه عرف أن له رتة ولأخيه فصاحة فأراد أن يفحمه ويدل عليه قوله :
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ
[ الزخرف : 52 ] .
قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ
من الأنواع
خَلْقَهُ
صورته وشكله الذي يطابق كماله الممكن له ، أو أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به . وقدم المفعول الثاني لأنه المقصود بيانه . وقيل : أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة زوجا . وقرىء « خلقه » صفة للمضاف إليه أو المضاف على شذوذ فيكون المفعول الثاني محذوفا أي أعطى كل مخلوق ما يصلحه .
ثُمَّ هَدى
( 50 ) ثم عرفه كيف يرتفق بما أعطى
شرح
من كذب وتولى ، بل بأن يقال : وعدم السّلام عليه لأنه هو المقابل للسلامة . لكنه صرح بالوعيد وصدرت الجملة بأن وجعل مضمون الجملة مما أوحي إليهما لكون التخلية عن الرذائل في أول الأمر أهم بالنسبة إلى التحلية بالفضائل ، كما أن همة من يعالج البدن مصروفة في أول الأمر إلى تنقية البدن من فضول الأخلاط ثم إلى تقويته بالأغذية الصالحة . وهكذا الحال فيمن يعالج النفوس فإن اللائق لشأنه الاهتمام بالتخلية أولا . قوله : ( أعطى كل شيء من الأنواع ) على أن كل شيء مفعول أول « لأعطى » و « خلقه » بمعنى مخلوقه ثانيهما وضمير خلقه لكل « شيء » . والمعنى : أعطى كل شيء من أنواع المخلوقات مخلوقه الذي هو صورته وشكله المطابق للكمال المودع فيه . فالمراد بمخلوق كل شيء المخلوق الذي يختص بذلك الشيء ويناسبه ويليق به ويتم به الغرض الذي خلق لأجله يدل عليه إضافة الخلق إلى الشيء . قوله : ( أو أعطى خليقته ) على أن « خلقه » أول المفعولين وكل شيء ثانيهما قدم على الأول لأن الغرض منوط بذكر إعطاء كل شيء فلذلك صار المفعول الثاني أهم فقدم على الأول . والخليقة الخلائق يقال : هم خليقة اللّه وهم خلق اللّه أيضا ، فالخلق أيضا بمعنى المخلوق إلا أن ضمير « خلقه » يرجع إلى « الذي » وهو الرب تعالى وحينئذ يجب أن يختص كل شيء بما يحتاج إليه المخلوقات وينتفعون به فإن الارتفاق هو الانتفاع . قوله : ( وقيل أعطى كل حيوان نظيره ) على أن « كل شيء » مفعول أول إلا أنه خص بالحيوان و « خلقه » بمعنى مخلوقه هو الثاني وضميره « لكل شيء » . ويراد بمخلوق كل حيوان زوجه ومعنى الاختصاص المستفاد من الإضافة كونه نظيرا له في الخلقة . قوله : ( وقرىء خلقه ) أي بفتح اللام فعلا ماضيا . وهذه الجملة يحتمل أن تكون في محل النصب على أنها صفة « كل » أو في محل الجر على أنها صفة « شيء » . وعلى هذه القراءة يكون المفعول الثاني محذوفا إما على وجه الاختصار اعتمادا على دلالة المقام عليه والمعنى : أعطى كل شيء خلقه ما يحتاج