وكيف يتوصل به إلى بقائه وكماله اختيارا أو طبعا . وهو جواب في غاية البلاغة لاختصاره وإعرابه عن الموجودات بأسرها على مراتبها ، ودلالته على أن الغني القادر بالذات المنعم على الإطلاق هو اللّه تعالى وأن جميع ما عداه مفتقر إليه منعم عليه في حد ذاته وصفاته وأفعاله . ولذلك بهت الذي كفر وأفحم عن الدخل عليه فلم ير إلا صرف الكلام عنه .
قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى
( 51 ) فما حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة
قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
أي إنه غيب لا يعلمه إلا اللّه وإنما أنا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به .
فِي كِتابٍ
مثبت في اللوح المحفوظ . ويجوز
شرح
إليه ، وإما على وجه الاقتصار والمعنى : إن كل شيء خلقه اللّه لم يخله من إعطائه وإنعامه .
واقتصر الإمام الواحدي في البسيط على هذا الوجه ولم يتعرض للأول ، كما اقتصر المصنف على الأول ولم يتعرض للثاني . قوله : ( ولذلك بهت الذي كفر ) لاتفاق العقلاء على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق هذه الإله والأرضين والشمس والقمر وأنه خالق نفسه ، لأنه يعلم بالضرورة عجزه عنها ويعلم بالضرورة أنها كانت موجودة قبله فلذلك أفحم فرعون ولم يتأت له أن يتعرض للدليل الذي أقامه موسى عليه الصلاة والسّلام على وجود الصانع القادر على كل شيء . ويدل على كون هذه القضية مسلمة معلومة بالضرورة قول موسى :رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىفإن كلمة « الذي » تقتضي وصف المعرفة بجملة معلومة الانتساب إليها ، فلا بد وأن يكون مضمون الصلة معلوما مسلما عند فرعون إلا أنه كان يظهر الإنكار تكبرا وزورا وبهتانا . ويحتمل أن يكون جاهلا بربه بناء على كونه دهريا قائلا : لا صانع سوى الدهر أصلا ، ويكون ادعاؤه الربوبية لنفسه بمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد له والإعراض عن طاعة غيره . ثم إن موسى لما ذكر دليلا ظاهر أو برهانا باهرا على وجود الإله العليم القادر على كل شيء وأفحم فرعون عن الدخل عليه قال معترضا على موسىفَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولىكقوم نوح وعاد وثمود فإن أكثرهم لم يقروا باللّه وبما دعوا إليه وإنما عبدوا الأوثان ، فلو كان ما ذكرته من الدليل حقا لوجب على أهل القرون الماضية أن لا يغفلوا عنه . فعارض الحجة بالتقليد وقال معترضا على موسى هكذا ، وهو اعتراض فاسد مبني على التقليد المحض غير مستند إلى حجة ودليل فلذلك لم يلتفت موسى إلى قوله وقال :عِلْمُها عِنْدَ رَبِّيولم يتعلق غرضي بأحوالهم . ثم عاد إلى تقوية كلامه الأول وإبراز سائر الدلائل فقال :الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَالآية . قوله : ( علمها عند ربي ) جملة اسمية وقوله :فِي كِتابٍمتعلق بمحذوف على أنه خبر ثان أي علمها مستقر عند ربي مثبت في اللوح المحفوظ أثبته فيه ليكون ما كتب فيه ظاهرا للملائكة ، فيكون ذلك زيادة لهم في الاستدلال على أنه تعالى عالم بكل المعلومات منزه عن السهو والغفلة . فإن