حدث في تضاعيف ذلك من الآية ، والتذكر للمتحقق والخشية للمتوهم . ولذلك قدم الأول أي إن لم يتحقق صدقكما ولم يتذكر فلا أقل من أن يتوهمه فيخشى .
قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا
أن يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة ، من فرط إذا تقدم ، ومنه : الفارط ، وفرس فرط يسبق الخيل . وقرىء « يفرط » من أفرطته إذا حملته على العجلة أي نخاف أن يحمله حامل من استكبار أو خوف على الملك أو شيطان أنسي أو جني على المعاجلة بالعقاب ويفرط من الإفراط في الأذية .
أَوْ أَنْ يَطْغى
( 45 ) أن يزداد طغيانا فيتخطى إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته وقساوته ، وإطلاقه من حسن الأدب .
قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما
بالحفظ والنصرة
أَسْمَعُ وَأَرى
( 46 ) ما يجري بينكما وبينه من قول
شرح
( والتذكير للمتحقق ) أي للمتيقن بالحق . الجوهري : حققت الأمر وأحققته أيضا إذا تحققته وصرت منه على يقين ، وحققت قوله وظنه تحقيقا أي صدقت . والمعنى : قولا له ذلك راجين أن يترك الإصرار على إنكار الحق وتكذيبه : إما بأن يتذكر أي يتعظ ويقبل الحق قلبا وقالبا وبأن يتوهم أنه حق فيخشى بذلك من أن يصر على الإنكار ويبقى مترددا ومتوقفا بين الأمرين ، وذلك خير بالنسبة إلى الإنكار والإصرار عليه . قوله : ( أن يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة ) فيتعطل المطلوب من الإرسال إليه . فإن قيل : كيف يخاف موسى وقد آتاه اللّه تعالى سؤله وشرح صدره ، وشرح الصدر ينافي حصول الخوف ؟
قلنا : لا نسلم ذلك لأنه قد مر أن السؤال أن يوسع اللّه قلبه ليتحمل إعباء دعوة فرعون إلى عبادة اللّه تعالى ، وللصبر على مشاقه ولتلقي ما يوحى إليه على وجه لا يتطرق إليه السهو والتحريف . وحصول الشرح بهذا المعنى لا ينافي حصول الخوف من استعجال فرعون في عقوبتهما قبل إتمام الدعوة وإظهار المعجزة ، وأن تفوت الفائدة المطلوبة من إرسالهما إليه من إلزام الحجة وقطع المعذرة ونحو ذلك .
قوله : ( وإطلاقه ) أي عدم تقييد قوله :أَوْ أَنْ يَطْغىبذكر متعلقه بأن يقال : أو أن يطغى عليك ، كما ذكر متعلق ( بفرط ) وهوعَلَيْنافي قوله :أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنالأن تجريده عن القيد من حسن الأدب والتحاشي عن النطق بالقبيح ، فإن المعنى : أو أن يطغى بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته عليك . قوله تعالى :( لا تَخافا )ليس المراد منه النهي عن الخوف لأنه من حيث كونه أمرا طبيعيا لا مدخل للاختيار فيه لا يدخل تحت التكليف ثبوتا وانتفاء ، بل المراد التسلي بوعد الحفظ والنصرة فإنه ليس المراد من المعية المعية المكانية بل المراد منها ما يلزمها من الحفظ والنصرة . كأنه قيل : إنني حافظكما وناصركما . قوله : ( أسمع وأرى ما يجري ما بينكما وبينه ) يعني أن قوله تعالى :أَسْمَعُ