يا مُوسى
( 40 ) كرره عقيب ما هو غاية الحكاية للتنبيه على ذلك
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
( 41 ) واصطفيتك لمحبتي مثله فيما خوّله من الكرامة بمن قربه الملك واستخلصه لنفسه .
اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي
بمعجزاتي
وَلا تَنِيا
ولا تفترا ولا تقصرا . وقرىء « تنيا » بكسر التاء
فِي ذِكْرِي
( 42 ) لا تنسياني حيثما تقلبتما . وقيل : في تبليغ ذكري والدعاء إليّ .
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى
( 43 ) أمر به أولا موسى وحده وههنا إياه
شرح
إلى أن قوله :عَلى قَدَرٍلا بد فيه من تقدير مضاف إليه لأن القدر لا يكون إلا لأمر من الأمور أي على قدري الذي قدرته لأن أكلمك ، أو على مقدار سن . فالقدر على الأول عبارة عن تعلق الإرادة الأزلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص بالأشياء في أوقات حدوثها ، وتلك الإرادة الأزلية هي المسماة بالقضاء . وعلى الثاني القدر بمعنى المقدار قال عليه الصلاة والسّلام : « ما بعث اللّه نبيا إلا على رأس أربعين سنة » .
قوله : ( واصطفيتك لمحبتي ) أي اخترتك لمحبتي لتتصرف على إرادتي وتشتغل بما أمرتك به من إقامة حجتي وتبليغ رسالتي ، وأن تكون في حركاتك وسكناتك لوجهي لا لنفسك ولا لغيرك . والاصطناع افتعال من الصنع بالضم وهو مصدر قولك : صنع إليه معروفا واصطناع فلان لفلان اتخاذه صنيعا محسنا إليه بتقريب منزلته وتخصيصه بالتكريم والإجلال .
عن القفال قال : اصطنعتك أصله من قولهم : اصطنع فلان فلانا إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال : هذا صنيع فلان كما يقال : هذا جريح فلان . قوله : ( مثله فيما خوّله ) أي أعطاه جواب عما يقال : كيف قال :لِنَفْسِيمع أنه تعالى غني عنه ؟ فلا يجوز حمل الكلام على ظاهره فلذلك حمله على الاستعارة التمثيلية حيث شبه حال موسى فيما خوّله اللّه تعالى من التقريب والتكليم والتكريم بحال من قربه الملك واستخلصه لنفسه . ووجه الشبه منتزع من عدة أمور فكانت الاستعارة تمثيلية . قوله : ( ولا تفترا ) يعني أن ونى يني ونيا مثل : وعد يعد وعدا بمعنى فتر يفتر فتورا . والحكمة في هذا التكليف أن من ذكر جلال اللّه تعالى وعظمته استحقر غيره فلا يخاف أحدا غيره ، ويتقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف في مقصود .
قوله : ( وقيل في تبليغ ذكري ) على أن يكون المراد بالذكر تبليغ الرسالة ، فإن الذكر يقع في كل العبادات وتبليغ الرسالة من أعظمها قدرا فكان جديرا بأن يطلق عليه اسم الذكر . روي أنه تعالى لما نادى موسى عليه الصلاة والسّلام بالوادي المقدس وأعطاه سؤله وأرسله إلى فرعون ، انطلق من ذلك الموضع إلى فرعون وشيعته الملائكة يصافحونه وخلف أهله في الموضع الذي تركهم فيه فلم يزالوا مقيمين به حتى مرّ بهم راعي من أهل مدين فعرفهم فحملهم إلى شعيب فمكثوا عنده حتى بلغهم خبر موسى بعد ما جاوز ببني إسرائيل البحر