ذكره .
فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ
لبث فيهم عشر سنين قضاء لأوفى الأجلين .
ومدين على ثماني مراحل من مصر .
ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ
قدرته لأن أكلمك وأستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر ، أو على مقدار من السن يوحى فيه إلى الأنبياء
شرح
التي كان فرعون يقتل فيها الولدان فهذه فتنة يا ابن جبير ، ثم ألقته أمه في البحر وهو في التابوت ثم منعه الراضع إلا من ثدي أمه ، ثم أخذ بلحية فرعون حتى هم بقتله ، ثم تناول الجمرة بيده بدل الدرة ، ثم قتل قبطيا وخرج إلى مدين هاربا خائفا بلا زاد ولا دليل ، وأجر نفسه عشر سنين مهرا لصفوراء ابنة شعيب وضل الطريق وتفرق غنمه في ليلة مظلمة . وكان ابن عباس يقول عند ذكر كل واحدة من هذه المحن : فهذه فتنة يا ابن جبير . فعلى هذا معنىفَتَنَّاكَ :خلصناك من تلك المحن كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث . ولا بد في قوله تعالى :وَفَتَنَّاكَ فُتُوناًمن ملاحظة التخليص من المحنة إما بأن يجعل فتناك بمعنى خلصناك من قولهم : فتنت الذهب إذا أردت تخليصه ، أو بأن يكون فتناك بمعنى اختبرناك ولم يذكر صلته ، والتقدير اختبرناك اختبارا بإيقاعك في المحن وتخليصك منها . وذلك لأنه تعالى قال له عليه الصلاة والسّلام :وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرىثم عد المنن وذكر منها قوله :وَفَتَنَّاكَ فُتُوناًوالفتنة بمعنى المحنة ليست من قبيل الإنعام إلا أن يقال : إنها لكونها موجبة للثواب من قبيل النعم . والمصنف جعل قوله تعالى :وَفَتَنَّاكَ فُتُوناًإجمالا لما ناله في سفر هجرته من مصر إلى مدين ، ثم جوّز أن يكون إجمالا له ، ولما سبق ذكره من وضع أمه إياه في التابوت وقذفه في اليم إلى غير ذلك . وقدم الاحتمال الأول لأن عدّ ما نال الطفل فتنة في حقه لا يخلو من بعد . قوله : ( قضاء لأوفى الأجلين ) أي اللذين خيره شعيب عليهما الصلاة والسّلام في قضاء أيهما شاء مهرا في تزويج بنته إياه . قال تعالى حكاية عنه :إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ[ القصص : 27 ] فقضى موسى عليه الصلاة والسّلام أوفاهما . وهذا صريح في أن موسى لما قضى الأجل المشروط سار بأهله إلى مصر ولم يمكث في أهل مدين بعد قضائه .
ويدل عليه قوله تعالى :فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ[ القصص : 29 ] وهو الأجل المشروط عليه في تزوجه صفوراء بنت شعيب . وروي عن وهب أنه قال : لبث موسى عند شعيب ثماني وعشرين سنة منها عشر سنين مهر امرأته ، والباقي ليستكمل الوقت الذي يوحى فيه إلى الأنبياء بناء على أنه جاء مدين وهو ابن ثنتي عشرة سنة فمكث فيه ثماني وعشرين سنة ليبلغ سنة أربعين سنة . وتقدير الآية : وفتناك فتونا فخرجت هاربا إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم ثم جئت من عندهم مستقرا أو كائنا على قدر معين . فقوله :عَلى قَدَرٍمتعلق بمحذوف منصوب على أنه حال من فاعلجِئْتَ .قوله : ( على قدر أو على مقدار من السن ) إشارة