فيه ثم قيرته وألقته في اليم وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر فدفعه الماء إليه فأداه إلى بركة في البستان ، وكان فرعون جالسا على رأسها مع امرأته آسية بنت مزاحم فأمر به فأخرج ففتح فإذا هو صبي أصبح الناس وجها فأحبه حبا شديدا كما قال :
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
أي محبة كائنة مني قد زرعتها في القلوب بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك فلذلك أحبك فرعون . ويجوز أن يتعلق « مني » « بألقيت » أي أحببتك ومن أحبه اللّه أحبته القلوب . وظاهر اللفظ أن اليم ألقاه بساحله وهو شاطئه ، لأن الماء يسحله
شرح
تعالى وعتوه أمر واقع حينئذ ، وكونه عدوا لموسى عليه الصلاة والسّلام حينئذ غير واقع لأن موسى في ذلك الوقت لم يكن بحيث يعاديه أحد بل هو بحيث يؤول أمره إلى المعاداة معه .
ولو قيل : يأخذه عدو لي وله لفهم أن عداوته لموسى من قبل عداوته للّه تعالى . قوله : ( ثم قبرته ) أي طلته بالقير وهو الزفت . قوله : ( وكان يشرع ) أي يدخل من اليم يقال : شرعت الدواب في الماء شرعا وشروعا أي دخلت . قوله : ( أصبح الناس ) أي أكملهم صباحة أي جمالة يقال : صبح بالضم صباحة فهو صبيح أي جميل حسن . قوله : ( أي محبة كائنة مني ) على أن مني ظرف مستقر متعلق بمحذوف هو صفة لمحبة أي محبة حاصلة مني . وعلى الثاني يكون ظرفا لغوا متعلقا ب « ألقيت » ، وعلى التقديرين : كلمة « من » ابتدائية . والفرق بين الاحتمالين أن الملقى على الاحتمال الأول محبة الناس إياه لما كانت المحبة حاصلة واقعة بتخليق اللّه تعالى من حيث إنه تعالى ركزها في القلوب وصفها بقوله : « كائنة مني » فلذلك أحبه عدوا للّه فرعون وكل من أبصره . وعلى الاحتمال الثاني يكون الملقى بالذات هو محبة اللّه تعالى . وأما محبة الخلق إياه فإنما نشأت وتفرعت عن محبة اللّه تعالى إياه ، وإليه أشار بقوله : « أي أحببتك ومن أحبه اللّه تعالى أحبته القلوب » . وقد روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا أحب اللّه العبد نادى جبريل : إن اللّه يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض » . قوله : ( وظاهر اللفظ ) جواب عما يقال :
إن ما قيل مخالف لما يفهم من ظاهر لفظ القرآن ، فإن ظاهره يدل على أن اليم ألقاه بساحله وأن موسى عليه الصلاة والسّلام التقط من الساحل لا من البركة ، وأن ما قيل يدل على أن أم موسى ألقته في اليم فقذفه اليم إلى النهر المتشعب منه الشارع إلى بستان فرعون فأداه النهر إلى بركة في البستان ، فأخذ من البركة لا من الساحل . وأشار إلى وجه التوفيق بينهما بأن حمل لفظ القرآن على أن معناه ألقاه اليم بساحل فيه فوهة نهر فرعون فجرى منه إلى البركة .
قوله : ( لأن الماء يسحله ) تعليل لما دل عليه المعنى كأنه قال : سمي الشاطئ ساحلا لأن الماء يسحله أي يقشره وينزع عنه ما هو بمنزلة القشر على ظاهره ، فإن السحل في اللغة القشر يقال : قشرت العود وغيره أقشره قشرا أي نزعت عنه قشره . والمطرة القاشرة هي التي