في وقت آخر .
إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ
بإلهام أو في منام أو على لسان نبي في وقتها أو ملك لا على وجه النبوة كما أوحي إلى مريم .
ما يُوحى
( 38 ) ما لا يعلم إلا بالوحي أو مما ينبغي أن يوحى ، ولا يخلّ به لعظم شأنه وفرط الاهتمام به .
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ
بأن أقذفيه أو أي أقذفيه لأن الوحي بمعنى القول .
فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ
القذف يقال للإلقاء وللوضع كقوله تعالى :
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ
[ الأحزاب : 26 ] وكذلك
شرح
موسى فكيف لا يعطيه مراده بعد السؤال . والمعنى : مننا عليك الآن بإتيانك سؤلك وقد سلفت لنا منن عليك أخرى . قوله : ( في وقت آخر ) إشارة إلى أن مرة ظرف « مننا » أي مننا عليك في وقت آخر ذي مرة . والمرة واحدة المر الذي هو مصدر قوله : مر يمر مرا ومرورا أي ذهب . فإن قيل : لم قال مرة أخرى مع أنه تعالى ذكر مننا كثيرة ؟ أجيب بأنه ليس المراد مرة واحدة من المنن لأن ذلك قد يقال في القليل والكثير ، والمنن المذكورة ههنا ثمان :
الأولى قوله :إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى[ طه : 38 ] والثانية قوله :وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً[ طه : 39 ] والثالثة قوله :وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي[ طه : 39 ] والرابعة قوله :إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ[ طه : 40 ] والخامسة قوله تعالى :وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ[ طه : 40 ] والسادسة قوله تعالى :وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً[ طه : 40 ] والسابعة قوله :فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى[ طه : 40 ] والثامنة قوله :وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي[ طه : 41 ] . قوله : ( بإلهام أو في منام ) يعني أن المراد من هذا الوحي ليس هو الوحي الواصل إلى الأنبياء لأن أم موسى ما كانت من الأنبياء فإن المرأة لا تصلح للإمارة والقضاء ، فكيف تصلح للنبوة ؟ ويدل عليه قوله تعالى :وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ[ يوسف : 109 ؛ النحل : 43 ؛ الأنبياء : 7 ] فلذلك اختلف في المراد من هذا الوحي على وجوه : أحدها أن أم موسى رأت رؤيا تأويلها وضع موسى عليه الصلاة والسّلام في التابوت وقذفه في البحر ، وأن اللّه يرده إليها . وثانيها أن المراد بالوحي الإلهام بأن أوقع اللّه تعالى في قلبها عزيمة جازمة على أن تلقيه في التابوت ثم تقذف التابوت في اليم وهو نيل مصر في قوله : « جميع المفسرين » فإن اليم يقع على البحر والنهر العظيم . وثالثها أن المراد بالوحي إليها أنه تعالى أوحى ذلك إلى بعض الأنبياء المبعوث في ذلك الزمان كشعيب عليه الصلاة والسّلام أو غيره ، ثم إن ذلك النبي عرفها ما أوحي إليه إما مشافهة أو مراسلة . ورابعها لعله تعالى بعث إليها ملكا لا على وجه النبوة بل على طريق بعثه جبريل إلى مريم في قوله تعالى :فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا[ مريم : 17 ] وبلغ ذلك الملك إليها ما أوحي إليه . قوله : ( ولا يخلّ به ) بضم الياء وفتح الخاء من أخلّ الفارس بمركبه إذا ترك موضعه الذي عيّنه له الأمير وقوله : « لعظم شأنه » تعليل لقوله : « لا يعلم إلا بالوحي » . قوله : ( وفرط الاهتمام به ) تعليل لقوله : ينبغي