بل كان عدما صرفا لم يقل ذلك ، فإنه أعجب من جمع المواد بعد التفريق وإيجاد مثل ما كان فيها من الأعراض . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وقالون عن يعقوب « بذكر » من الذكر الذي يراد به التفكر . وقرىء « يتذكر » على الأصل .
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ
اقسام باسمه مضافا إلى نبيه تحقيقا للأمر وتفخيما لشأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
وَالشَّياطِينَ
عطف أو مفعول معه لما روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم كل مع شيطانه في سلسلة . وهذا وإن كان مخصوصا بهم ساغ نسبته إلى الجنس بأسره ، فإنهم إذا حشروا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا جميعا معهم .
ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ
ليرى السعداء ما نجاهم اللّه منه فيزدادوا غبطة وسرورا ، وينال الأشقياء ما ادخروا لمعادهم عدة ويزدادوا غيظا من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب وشماتتهم عليهم .
جِثِيًّا
( 68 ) على ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع ، أو لأنه من توابع التواقف للحساب قبل التواصل إلى الثواب والعقاب وأهل الموقف جاثون لقوله :
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً
[ الجاثية : 28 ] على المعتاد في مواقف التقاول . وإن كان المراد بالإنسان الكفرة فلعلهم يساقون جثاة من الموقف إلى شاطىء جهنم إهانة بهم أو لعجزهم عن القيام لما عراهم من الشدة وقرأ حمزة والكسائي وحفص « جثيّا » بالكسر .
شرح
إنما نشأ عنه فلا وجه لما قاله المحشي ، فإنه لو تأمل لم يقله . قوله : ( بل كان عدما صرفا الخ ) بناء على أن الشيء يختص بالموجود وقد تقدم تفصيله وقوله : « فإنه » أي الخلق المفهوم من « خلقنا » وإنما كان أعجب لأنه لم يسبق له مثال يحذي حذوه ولم تجمع له مادة قبل حتى يعاد على أحد المذهبين المعروفين في المعاد كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه . وقوله :
« على الأصل » أي بدون إدغام فإنه خلافه والتفخيم لشأنه صلّى اللّه عليه وسلّم من الإضافة فإنها للتعظيم كبيت اللّه . وقوله : « لما روى » الخ تأييد للمعية للتصريح بها في الحديث وقوله : « مخصوصا بهم » أي بالكفرة وقوله : « ساغ بالغين المعجمة » أي جاز ونسبته إلى الجنس بأسره نسبة مجازية كما مر . وقوله : « فإنهم » بيان لوجه التجوز فيه وقوله : « فقد حشروا جميعا معهم » فجاز نسبته مجازا لهم وقوله : « ليرى » بيان لحكمة حشرهم معهم والغبطة هنا حسن الحال والمسرة .
وقوله : « وشماتتهم عليهم » كان الظاهر أن يقول بهم فكأنه علقه بمقدر أي مغتاظين عليهم وقوله : « يدهمهم بالدال المهملة » أي يفجأهم وهذا بناء على العموم في الإنسان فالمؤمن يجثو إذا قرب منها والكفار مستمرون على الجثى لعدم استطاعة القيام ، فلا ينافي جمع ضمير نحشرهم أن يراد بالإنسان واحد كما تقدم . والعدة بضم العين المهملة ما يعد لما بعده .
قوله : ( أو لأنه من توابع التواقف ) أي من لوازمه والتواقف تفاعل من الوقوف والتقاول تفاعل