الجملة على الجملة لتقدم الصلة للاختصاص كان الواو للعطف والفاء لإفادة التسبب فإن فعل الأنبياء سبب لأن يقتدى بهم .
وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ
أي من أبواب متفرقة في البلد
ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ
رأى يعقوب واتباعهم له
مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
مما قضاه عليهم كما قال يعقوب عليه السّلام : فسرقوا وأخذ بنيامين لوجدان الصواع في رحله وتضاعفت المصيبة على يعقوب .
إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ
استثناء منقطع أي ولكن حاجة في نفسه يعني شفقته عليهم وحرازته من أن يعانوا .
شرح
ظاهرها بمعنى جامعة للشر على المعيون من لمه يلمه إذا جمعه يقال : إن دارك تلم الناس أي تجمعهم . ثم إن يعقوب عليه الصلاة والسّلام بعد ما أمر بنيه برعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم بيّن لهم أنه لا يصل إلى العبد إلا ما قدر عليه بقدر اللّه تعالى وإرادة وجوده فقال :وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍوكان قتادة رضي اللّه عنه يفسر الإصابة بإصابة العين ويقول : ليس في قوله :وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍإبطال له لأن تأثير العين ليس مشروطا بالاجتماع أو الافتراق وكل ما قدره اللّه تعالى فهو كائن لا محالة . قال الإمام :
واعلم أن الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم ومأمور أيضا بأن يجزم بأنه لا يصل إليه إلا ما قدره اللّه تعالى وأن الحذر لا ينجي من القدر . فإن الإنسان مأمور بأن يحذر ويتفطن للأشياء المهلكة والأغذية الضارة ويسعى في تحصيل المنافع ودفع المضار بقدر الإمكان . ثم إنه مع ذلك ينبغي أن يكون جازما بأنه لا يصل إليه إلا ما قدره اللّه تعالى ولا يدخل في الوجود إلا ما أراده اللّه تعالى فينبغي للإنسان أن يجمع بين رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم ، وبين أن لا يعتمد عليها ولا يراعيها إلا لمحض التعبد بل يربط قلبه بمشيئة اللّه تعالى وأن يقطع رجاءه عن كل شيء سواه . قوله : ( لتقدم الصلة ) بيان لوجه إمكان الجمع بينهما فإن قوله : « عليه » لو لم يتقدم على متعلقه لما أمكن الجمع بينهما وقوله :
« للاختصاص » علة لتقدمها وقوله : « كان الواو » بيان لفائدة الجمع بينهما .
قوله تعالى :( وَلَمَّا دَخَلُوا )في جواب « لما » هذه ثلاثة أوجه : أحدها وهو الظاهر أنه الجملة المنفية وهي قوله :ما كانَ يُغْنِيوثانيها أن جوابها محذوف تقديره امتثلوا وقضوا حاجة أبيهم لأن ارتكاب الحذف مع اشتمال الكلام على ما يصلح جوابا صريحا لا يخلو عن تعسف . وثالثها أن الجواب هو قوله :آوى إِلَيْهِ أَخاهُقال أبو البقاء : وهو جواب « لما » الأولى والثانية كقولك : لما جئتني ولما كلمتك أجبتني . وحسن ذلك أن دخولهم على يوسف عليه الصلاة والسّلام عقب دخولهم من الأبواب . قوله : ( فسرقوا ) أي نسبوا إلى السرقة وافتضحوا بذلك . والحرارة الاحتراز والتوقي . قوله : ( أي ولكن حاجة ) إشارة إلى أن « حاجة » منصوبة « بإلا » لكونها بمعنى لكن و « قضاها » خبر « لكن » . والمعنى أن رأي يعقوب