والوراثة أقوى لفظ يستعمل في التمليك والاستحقاق من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع ولا تبطل برد وإسقاط . وقيل : يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا زيادة في كرامتهم . وعن يعقوب « نورث » بالتشديد .
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ
حكاية قول جبريل حين استبطأه رسول اللّه عليه الصلاة والسلام لما سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيب ، ورجا أن يوحى إليه فيه فأبطأ عليه خمسة عشر يوما وقيل : أربعين حتى قال المشركون : ودعه ربه وقلاه ، ثم نزل ببيان ذلك . والتنزل النزول على مهل لأنه مطاوع نزل وقد يطلق بمعنى النزول مطلقا كما يطلق نزل بمعنى أنزل والمعنى : وما ينزل وقتا غب وقت إلا بأمر اللّه على ما يقتضيه حكمته . وقرىء و « ما يتنزل » بالياء والضمير للوحي
شرح
أعمال المتقي بالمورث ، وشبّه ثمرة تلك الأعمال بترك المورث إذا قضى نحبه يبقى للوارث ماله ، كذلك أعمال المتقين تنقضي وتبقى ثمرتها لهم وهو الجنة فعبّر عن إيتاء الثمرات لهم بالإيراث ، واشتبق منه نورث فصار استعارة تبعية . ونكتة العدول إلى المجاز التنبيه على أن تمليك تلك الثمرات لهم أقوى وجوه التمليك كأنه قيل : تملك الجنة إياهم أقوى تمليك .
والآية تدل على أن المتقي يدخل الجنة وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها .
وأيضا صاحب الكبيرة يصدق عليه أنه متق لكونه متقيا عن الكفر فيدخلها .
قوله : ( حكاية قول جبريل عليه السلام ) ولا شك أن قوله تعالى :تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّاكلام اللّه تعالى فلا وجه لعطف هذه الجملة المحكية عليه ، بل هي معطوفة على ما تقدم من أول السورة إلى هنا عطف القصة على القصة ، واللازم في مثله تناسب القصتين المتعاطفتين في الغرض الذي سيق الكلام لأجله وذلك التناسب موجود ههنا . فإن المقصود من ذكر أقاصيص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تسلية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وتثبيته وهي المقصودة من هذه الحكاية أيضا . فإنه تعالى لما فرغ من أقاصيص الأنبياء وذنّبها ببيان ما أحدث الخلف بعدهم وحكم عليهم بأنهم سوف يلقون غيا ، واستثنى أهل الهداية والتوفيق منهم وقال في حقهم :فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَعقب ذلك بذكر حكاية نزول جبريل عليه السلام كأنه قال للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إنك وإن اشتقت إليّ ولكني إليك أشوق إلا أن أمرنا موكول إلى اللّه عز وجل يتصرف فينا بحسب مشيئته وإرادته وحكمته لا اعتراض لأحد عليه ، وليس اجتنابي عنك لأجل أن ربك وعدك وقلاك كما يقول المشركون ، وما كان ربك نسيا تاركا لك . ولا شك أن في ذكرها زيادة التسلية له عليه الصلاة والسلام . قوله : ( ثم نزل ببيان ذلك ) أي ثم نزل جبريل ببيان ما يجيب لمن سأل عن قصة أصحاب الكهف وغيرها ونزل حينئذ قوله تعالى :وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَوقوله : ( ولا تقولن لشأى إني فاعل )