على الاستثناء المنقطع أو على معنى أن التسليم إن كان لغوا فلا يسمعون لغوا سواه كقوله :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب
أو على أن معناه ادعاء بالسلامة وأهلها أغنياء عنه فهو من باب اللغوظ هر . أو إنما فائدته الإكرام
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
( 62 ) على عادة المتنعمين والتوسط بين الزهادة والرغابة . وقيل : المراد دوام الرزق ودروره .
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا
( 63 ) نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم كما نبقي على الوارث مال مورثه .
شرح
عن العيب والنقيصة إذ لا تكليف فيها وجعل الاستثناء أولا منقطعا لأن السلام سواء كان بمعنى التسليم أو بمعنى القول الذي لا يتطرق إليهم الغير بسببه ليس من جنس اللغو ، ثم يستثنى منه أصوات العصافير ونحوها من الطيور . قال المبرد : السلام دعاء الإنسان لصاحبه بأن يسلم من الآفات في دينه وبدنه ويتخلص من المكروه . ثم فشا استعماله في الإكرام حتى لا يفهم منه غيره ، ولهذا لو تركته لحملك صاحبك على الإهانة . قوله : ( على عادة المتنعمين ) جواب عن سؤال مقدر وهو أن المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بأحوال مستعظمة ، ووصول الرزق إليهم بكرة وعشيا ليس من الأمور المستعظمة فما الوجه في مدح الجنة به ؟ وأجاب عنه بوجهين : الأول ما روي عن الحسن من أنه تعالى أراد أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور الذهب والفضة وليس الحرير وهي من عادة العجم ، والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة وكانت عادة أشراف اليمن ، ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك . والثاني أنه كناية عن اعتدال أحوال أهل الجنة من حيث المطاعم والمشارب ، فإن أعدل أحوال المطاعم وأبعدها عن الضرر هو التغدي والتعشي وهي عادة محمودة متوسطة بين الزهادة من الطعام والتفريط فيه بالأكل في اليوم والليلة مرة ، وبين الرغابة والإفراط فيه وهي الأكل متى وجدوه مرة بعد أخرى . ثم نقل جوابا ثلثا وهو أن ذكره البكرة والعشي لبيان دوام رزق أهل الجنة لا لبيان أن الرزق إنما يحصل لهم في هذين الوقتين المعلومين كما يقال : أنا عند فلان صباحا ومساء وبكرة وعشيا ، ويراد دوام الحضور عنده في كل وقت . فإن قيل : كيف يتحقق البكرة والعشي بالنسبة إلى أهل الجنة ولا صباح ولا مساء ولا ليل ولا نهار بالنسبة إليهم ؟ قال تعالى :لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً[ الإنسان : 13 ] وقال عليه الصلاة والسلام : « لا صباح عند ربك ولا مساء بل هم في نور أبدا » . وأجيب بأن المراد أنهم يأكلون مطلقا لا أن في الجنة غدوة وعشيا إذ قيل : إنهم فيها يعرفون مقدار النهار برفع الحجب ومقدار الليل بإرخائها .
وروي أن بين غدائهم وعشائهم ست ساعات . قوله : ( نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم ) شبّه