تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
أبلغ احتجاج وأرشقه برفق وحسن أدب حيث لم يصرح بضلاله بل طلب العلة التي تدعوه إلى عبادة ما يستخف به العقل الصريح ويأبى الركون إليه ، فضلا عن عبادته التي هي غاية التعظيم ولا تحق إلا لمن له الاستغناء التام والإنعام العام ، وهو الخالق الرازق المحيي المميت المعاقب المثيب . ونبه على أن العاقل ينبغي أن يفعل ما يفعل لغرض صحيح ، والشيء لو كان حيّا مميزا سميعا بصيرا مقتدرا على النفع والضر ولكن كان ممكنا لاستنكف العقل القويم عن عبادته وإن كان أشرف الخلق كالملائكة والنبيين لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة الواجبة ، فكيف إذا كان جمادا لا يسمع ولا يبصر . ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه الحق القويم والصراط المستقيم لما لم يكن محظوظا من العلم الإلهي مستقلا بالنظر السوي فقال :
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا
( 43 ) ولم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ، بل جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق . ثم ثبطه عما كان عليه بأنه مع خلوه عن النفع مستلزم للضر فإنه في الحقيقة عبادة للشيطان من حيث أنه الآمر به فقال :
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ
واستهجن ذلك وبيّن وجه الضر فيه بأن الشيطان مستعص على ربك المولى للنعم كلها بقوله :
إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا
( 44 ) ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاص ، وكل عاص حقيق بأن يسترد منه النعم وينتقم منه . ولذلك عقبه بتخويفه سوء عاقبته وما يجره إليه فقال :
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
( 45 ) قرينا في اللعن أو العذاب تليه
شرح
وثم دعاه وثم ثبطه ) أمور متعاطفة . قوله : ( أبلغ احتجاج ) منصوب على أنه مفعول مطلق للنوع وقوله : « وارشقه » عطف عليه . والرشاقة اللطافّة يقال : رجل رشيق القد أي لطيفه . والركون الميل اليسير . والعبادة الخضوع لمن هو في غاية الفضل والإفضال . وقوله :يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَبمعنى لا تطعه فيما يوسوس إليك ويقول لك . وأشار المصنف إليه بقوله : « ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاص » حيث عبّر عن عبادة الشيطان بمطاوعته لما أمر به وأشار إلى أن قوله :عَصِيًّاللمبالغة بقوله : « إن الشيطان مستعص » أي بالغ في العصيان كأنه يطلب من نفسه أن يعصي ربه . وعبدة الأوثان وإن كانوا يعتذرون في عبادتها بأنها تماثيل الكواكب المدبرة لهذا العالم أو أنها تماثيل أشخاص معظمة عند اللّه يصلحون لأن يكونوا شفعاء ونحو ذلك من الأعذار الفاسدة ، فما ذكره إبراهيم عليه الصلاة والسّلام في حق التماثيل بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن عابدها شيئا من الإغناء ، لا يبطل أعذارهم بحسب الظاهر إلا أنه عليه الصلاة والسّلام احتج عليهم بذلك بناء على أنهم يزعمون أن عبادتها تنفعهم وأن طريقتهم مقبولة مستحسنة فبيّن عليه الصلاة والسّلام فساد زعمهم .
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 554 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين