وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً
ملازما للصدق كثير التصديق لكثرة ما صدق به من غيوب اللّه وآياته وكتبه ورسله
نَبِيًّا
( 41 ) استنبأه اللّه تعالى .
إِذْ قالَ
بدل من إبراهيم وما بينهما اعتراض أو متعلق ب
« كانَ »
أو « بصديقا نبيا » لأبيه يا أبت التاء معوضة من ياء الإضافة ولذلك لا يقال : يا أبتي ويقال :
يا أبتا ، وإنما يذكر للاستعطاف ولذلك كررها .
لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
فيعرف حالك ويسمع ذكرك ويرى خشوعك .
وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
( 42 ) في جلب نفع ودفع ضر دعاه إلى الهدى وبيّن ضلاله ، واحتج عليه
شرح
والصرف خلافة عن الغير . وحاصل الوجه الأول أن الإرث مجاز عن الاختصاص الملكي أي إن الملك بقي مقتصرا على اللّه تعالى بحيث لم يبق لأحد على الأرض ولا على من عليها ملك ولا ملك كما كان يدعى في دار التكليف أن لفلان ملكا ولفلان ملكا . وحاصل الوجه الثاني أنه مجاز عن توفي الأرض ومن عليها بالإفناء والإهلاك توفي الوارث لإرثه . وعلى الوجهين الظاهر أن تعريف الأرض محمول على العموم لا العهد .
قوله : ( ملازما للصدق كثير التصديق ) يعني أن الصديق من أبنية المبالغة للصادق وكون الشخص مبالغا في الصدق يكون بحسب الكم وبحسب الكيف . ومن لازم الصدق في أقواله وأفعاله وأخلاقه ولم يصدر عنه إلا ما يطابق الحق والواقع ، وكثر أيضا تصديقه بجميع ما ورد من عند اللّه تعالى قولا وعملا بحيث لم يقع منه توقف ومهلة في قبول شيء مما ظهر له من الحقوق كان مبالغا في الصدق كمّا وكيفا . فلذلك قال تعالى في حقه :إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاًوقال أيضا :وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى[ النجم : 37 ] وقال :وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ[ البقرة : 124 ] والصدق أصل كل فضيلة وملاك كل كمال وخير . ولمّا كان الصدّيق أعم من النبي لأن كل نبي يجب أن يكون صدّيقا ولا يجب أن يكون كل صديق نبيّا ، انتقل من ذكر كونه صديقا إلى ذكر كونه نبيّا على سبيل التصديق على قوله : « ملازما للصدق » بل جعلهما جميعا تفسيرا للصدق على سبيل الترقي . لما كذب اللّه تعالى النصارى فيما زعموه في حق عيسى عليه الصلاة والسّلام بيّن ضلال عبدة الأصنام بالشروع في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، فإنه كان أبا للعرب وكانوا مقرين بعلو شأنه وحقية دينه على ما قاله تعالى :مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ[ الحج : 78 ] فكأنه تعالى قال للعرب : إن كنتم من المقلدين لآبائكم كما تقولون :إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ[ الزخرف : 23 ] فمعلوم أن أشرف آبائكم وأجلهم قدرا هو إبراهيم فقلدوه في ترك عبادة الأوثان ، وإن كنتم من المستدلين فانظروا فيما أقام من الدليل الدال على بطلان الشريك لتعرفوا فساد عبادة الأوثان . قوله : ( ولا يقال : يا أبتي ) أي لئلا يجمع بين العوض والمعوض عنه ويقال : يا أبتا لكون ألف بدلا من الياء . قوله : ( دعاه إلى الهدى واحتج عليه