فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ
حكم بمنعه بعد هذا إن لم نذهب ببنيامين .
فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ
نرفع المانع من الكيل ويكتل ما نحتاج إليه . وقرأ حمزة والكسائي بالياء على إسناده إلى الأخ أي يكتل لنفسه فينضم اكتياله إلى اكتيالنا .
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
( 63 ) من أن يناله مكروه .
قالَ
يعقوب لهم
هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ
وقد قلتم في يوسف وإنّا له لحافظون .
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً
فأتوكل عليه وأفوض أمري إليه .
وانتصاب « حفظا » على التمييز وحافظا على قراءة حمزة والكسائي وحفص يحتمله .
شرح
والجمع المصحّح من جموع القلة على الأشهر . والظاهر أن قوله : « لغلمانه الكيالين » إشارة إلى وجه القراءة على جمع القلة بناء على أن المولى بالكيل جماعة قليلون . وقراءة الفتيان توافق قوله : « جعلوا » بناء على أن المأمورين بالجعل غير محصورين في العشرية وما دونها ، وكذا ضمير الجمع في نحواجْعَلُوابناء على أنه لا يختص بما يستعمل فيه جمع القلة .
والرحال جمع رحل وهو الوعاء الذي يجعل المسافر أسبابه فيه . والظاهر أن رحال الإخوة ليس أقل من عشرين غرارة فإذا وكل بكل غرارة واحد من الفتيان يكون المأمورين كثيرين زائدين على العشرة . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن بضاعتهم التي هي ثمن طعامهم كانت نعالا وأدما . وقيل : كانت دراهم والمكيال والكيل أيضا مصدر قولك : كلت الطعام إذا أعطيته كيلا ، وكل واحد من المعنيين يصح في هذا المقام إلا أنه إذا كان بمعنى المكيال يكون من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال يقال : اكتلت عليه إذا أخذ منه كيلا ويقال :
كان المعطى واكتال الآخذ وإذا قلت : كلته يكون المعنى كلت له أي توليت فعل الكيل لأجله قال تعالى :وَإِذا كالُوهُمْ[ المطففين : 3 ] بمعنى كالوا لهم .
قوله : ( حكم بمنعه ) أي بمنع إعطاء الطعام كيلا حيث قيل : فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي . قوله : ( نرفع المانع من الكيل ) فإن عدم إتيان أخيهم لما كان مانعا من الكيل كان إرساله رفعا لذلك المانع . وإنما زاد هذا لبيان الملازمة بين الإرسال والاكتيال فإنه إذا أرسل ارتفع المانع ، ومقتضى الاكتيال موجود فيحصل المطلوب بإرساله لتحقق علته التامة بذلك . قوله : ( هل آمنكم ) استفهام إنكاري يتضمن معنى النفي وقوله :إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْمنصوب على أنه نعت مصدر محذوف أي لا آمنكم على بنيامين إلا أمنا كأمني على أخيه .
وقولك : آمنته على كذا وائتمنته بمعنى . وقد قالوا في بدء الأمريا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَإلى قوله :وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَيريد أنكم قد ذكرتم هذا الكلام في حق يوسف عليه الصلاة والسّلام ثم خنتم في حفظه فكيف آمنكم على بنيامين اعتمادا على كلامكم هذا بعد ما شاهدت منكم الخلف وعدم الثبات على القول ؟ ثم قال :فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاًأي خيركم