فقال : أحب أن أسمع رؤياي منك فحكاها ونعت له البقرات والسنابل وأماكنها على ما رأها فأجلسه على السرير وفوّض إليه أمره . وقيل : توفي قطفير في تلك الليالي فنصبه منصبه وزوج منه راعيل فوجدها عذراء وولد له منها إفراثيم وميثا .
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
ولني أمرها . والأرض أرض مصر
إِنِّي حَفِيظٌ
لها ممن لا يستحقها
عَلِيمٌ
( 55 ) بوجوه التصرف فيها . ولعله عليه السّلام لما رأى أنه يستعمله في أمره لا محالة آثر ما يعم فوائده ويجل عوائده . وفيه دليل على جواز طلب التولية وإظهار أنه مستعد لها والتولي من يد الكافر إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به . وعن مجاهد أن الملك أسلم على يده .
شرح
قوله : ( أحب أن أسمع رؤياي منك ) وفي الكشاف : قال : أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك شفاها . قال يوسف عليه الصلاة والسّلام : رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن ومكان خروجهن ومكان السنابل وما كان منها على الهيئة التي رأها الملك من غير أن ينقص منها حرفا . قال المفسرون : إنه عليه الصلاة والسّلام لما عبّر رؤيا الملك بين يديه قال له الملك : فما ترى أيها الصديق ؟ قال : أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعا كثيرا وتبني الخزائن وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنون المجدبة بعت الغلات فيحصل بهذا الطريق مال عظيم . فقال الملك : من لي بهذا الشغل ؟ فقال يوسف : اجعلني على خزائن الأرض . أي خزائن أرض مصر على أن تعريف الأرض للعهد . روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « في هذه الآية رحم اللّه أخي يوسف إنه لم تأنّى في الخروج من السجن سهل اللّه عليه ذلك الأمر على أحسن الوجوه ولما تسارع في ذكر الالتماس أخّر اللّه ذلك المطلوب عنه » .
ودل هذا على أن ترك التصرف وتفويض الأمر بالكلية إلى اللّه تعالى أولى ولم يحك اللّه تعالى عن الملك أنه قال : قد فعلت ما التمسته مني ، إلا أنه تعالى قال :وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِالآية وذلك يدل على أن الملك أجابه إلى ما سأل إلا أنه تعالى أسند التمكين إلى نفسه ليعلم أن المؤثر الحقيقي ليس إلا اللّه تعالى وأنه هو الذي مكنه في الأرض . روي أن الملك توجه بتاج الكرامة وأدخل خاتم الملك في أصبعه وقلده سيفه ووضع له سريرا من الذهب مكللا بالدر والياقوت . فقال يوسف عليه الصلاة والسّلام : أما السرير فاشدد به ملكك ، وأما الخاتم فأدبر به أمرك ، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي . فقال : قد وضعته على رأسك إجلالا لك وإقرارا بفضلك . فجلس على السرير متوجا ودانت له الملوك وفوض الملك إليه أمره وعزل قطفير عما كان وأجلس يوسف مكانه . ثم إن قطفير هلك في تلك الليالي فزوج الملك يوسف من زليخا امرأة قطفير فلما دخل عليها قال لها : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين ؟ فقالت : أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة