مِنْ أَبِيكُمْ
روي أنهم لما دخلوا عليه قال : من أنتم وما أمركم لعلكم عيون . قالوا : معاذ اللّه إنما نحن بنو أب واحد وهو شيخ كبير صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب . قال : كم أنتم . قالوا : كنا اثني عشر فذهب أحدنا إلى البرية فهلك . قال : فكم أنتم ههنا ؟ قالوا :
عشرة . قال : فأين الحادي عشر ؟ قالوا : عند أبينا يتسلى به عن الهالك . قال : فمن يشهد لكم ؟ قالوا : لا يعرفنا أحد ههنا فيشهد لنا . قال : فدعوا بعضكم عندي رهينة وأتوني بأخيكم من أبيكم حتى أصدقكم . فاقترعوا فأصابت شمعون . وقيل : كان يوسف يعطي لكل نفر حملا فسألوا حملا زائد لأخ لهم من أبيهم فأعطاهم وشرط عليهم أن يأتوه به ليعلم صدقهم .
أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ
أتمه
وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
( 59 ) للضيف والمضيفين لهم وكان أحسن إنزالهم وضيافتهم
فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ
( 60 ) أي لا تقربوني ولا تدخلوا دياري ، وهو إما نهي أو نفي معطوف على الجزاء .
قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ
سنجتهد في طلبه من أبيه
وَإِنَّا لَفاعِلُونَ
( 61 ) ذلك لا نتوانى فيه .
وَقالَ لِفِتْيانِهِ
لغلمانه الكيالين جمع فتى . وقرأ حمزة والكسائي وحفص « لفتيانه » على جمع الكثرة ليوافق قوله :
اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ
فإنه وكل بكل رحل واحدا يعبى فيه بضاعتهم التي شروا بها الطعام وكانت نعالا وأدما . وإنما فعل ذلك توسيعا وتفضلا عليهم وترفعا من أن يأخذ ثمن الطعام منهم وخوفا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به .
لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها
لعلهم يعرفون حق ردها أو لكي يعرفوها .
إِذَا انْقَلَبُوا
انصرفوا ورجعوا
إِلى أَهْلِهِمْ
وفتحوا أوعيتهم
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( 62 ) لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع .
شرح
بأخيكم بالإضافة مبالغة في عدم تعرفه لهم فإنهم فرقوا بين مررت بغلامك وبغلام لك ، فإن الأول يقتضي عرفانك بالغلام دون الثاني . قوله : ( إما نهي أو نفي ) وفي الكشاف فيوَلا تَقْرَبُونِوجهان : أحدهما أن يكون داخلا في حكم الجزاء مجزوما عطفا على محل قوله :فَلا كَيْلَ لَكُمْكأنه قيل : فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا ، وأن يكون بمعنى النهي .
انتهى . وعلى التقديرين أي سواء كان خبرا أو نهيا يكون داخلا في حكم الجزاء معطوفا عليه ، لكن جزمه على الثاني « بلا » الناهية وعلى الأول بالعطف على ما هو في محل الجزم .
قوله : ( لا نتوانى فيه ) على أن قولهم :لَفاعِلُونَبمعنى الاستقبال قالوه تأكيدا للوعد .
ويحتمل أن يكون بمعنى الحال على أن يكون الفعل مجازا عن القدرة عليه بطريق إطلاق اسم المسبب على السبب فيكون تنزيلا وتنبيلا وتأكيدا لفعل المراودة . قوله تعالى : ( وقال لفتيته ) وهي قراءة العامة على أنها جمع قلة على وزن فعلة كأخوة وصبية . والفتيان على وزن فعلان جمع كثرة كإخوان وصبيان . والقليل من الثلاثة إلى العشرة ، والكثير فوق العشرة .