تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
النَّارَ فَظَنُّوا
فأيقنوا
أَنَّهُمْ مُواقِعُوها
مخالطوها واقعون فيها
وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً
( 53 ) انصرافا أو مكانا ينصرفون إليه
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
من كل جنس يحتاجون إليه .
وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ
يتأتى منه
شرح
« جعلنا » بمعنى « خلقنا » فيتعدى إلى واحد ويتعلق الظرف حينئذ بالجعل أو بمحذوف على أنه حال من « موبقا » . قوله : ( مخالطوها ) فسر المواقعة بالمخالطة لأن المخالطة الشيء لغيره إذا كانت قوية تامة يقال لها مواقعة . قوله : ( من كل جنس يحتاجون إليه ) لما كان لفظ المثل في أصل اللغة بمعنى الشبه وفي عرف الناس بمعنى المثل السائر المشبه مضربه بمورده ، ويطلق مجاز على كل حالة غريبة وصفة عجيبة وقصة بديعة تشبيها بالمثل السائر في الغرابة . والمثل الذي تكرر تقريره في القرآن بوجوه مختلفة ليس المثل بأحد هذه المعاني ، بل الذي تكرر فيه هو تقرير دلائل الوحدانية والنبوة وتحقيق أحوال البعث والقيامة وبيان الأحكام والوعد والوعيد والقصص والأمثال ، وهذه الأمور ليست من قبيل المثل المفسر بأحد التفاسير المذكورة إلا أنها لما كانت أمورا مهمة يحتاج الإنسان إلى بيانها أشد الاحتياج صح إطلاق لفظ المثل عليها تشبيها لها بالمثل السائر ، فلذلك قال المصنف في تفسير الآية « من كل جنس يحتاجون إليه » والظاهر أن مفعول « صرفنا » محذوف وقوله تعالى :مِنْ كُلِّ مَثَلٍصفة لذلك المحذوف والمعنى : ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس معنى من كل جنس يحتاجون إليه . ويجوز أن يكونمِنْ كُلِّ مَثَلٍهو المفعول على أن تكون كلمة « من » زائدة على رأي الأخفش والكوفيين . « وشَيْءٍ» في قوله تعالى :أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًاوضع موضع الأشياء التي يتأتى منها الجدل أي أفضلها واحدا واحدا . والمعنى : إن الإنسان أكثر شيء جدلا من كل شيء يجادل ، والتفضيل مستفاد من إضافة أفعل التفضيل إلى النكرة فإنه إذا أضيف إلى النكرة المفردة وأريد بيان كون صاحب أفعل زائدا على ما أضيف إليه في المعنى المدلول عليه بالمصدر الذي اشتق منه أفعل التفضيل ، يجب أن يكون المفضل داخلا فيمن أضيف إليهم فردا منهم ليحصل المقصود من الشركة والزيادة . فإذا أضيف إلى النكرة المفردة نحو : زيد أفضل رجل و « أكثر شيء جدلا » يجب أن تكون النكرة بمعنى الجنس المتناول للمفضل وأمثاله ليكون المفضل بعضا منهم ومشاركا معهم في أصل الفعل وزائدا عليهم فيه . فإذا قيل : زيد أفعل رجل وهما أفضل رجلين وهم أفضل رجال ، كان معناه زيد أفضل من كل رجل ، وهما أفضل من كل رجلين قيس فضلهما بفضلهما . وذكر في شرح الرضى في بحث الإضافة : ومذهب سيبويه أن إضافة أفعل التفضيل حقيقية مطلقا وذلك أنه في حال الإضافة على ضربين : أحدهما أن يكون بعض المضاف إليه فيدخل فيه أي فيما أضيف إليه والمعنى : أن صاحبه مفضل في المعنى الذي وضع له المصدر المشتق هو منه على كل واحد