تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
سبب الاغترار بها حب الشهوات وتسويل الشيطان زهدهم أولا في زخارف الدنيا بأنها عرضة الزوال والأعمال الصالحة خير وأبقى من أنفسها وأعلاها ، ثم نفرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من العداوة القديمة . وهكذا مذهب كل تكرير في القرآن .
كانَ مِنَ الْجِنِّ
حال بإضمار « قد » أو استئناف للتعليل . كأنه قيل : ما له لم يسجد ؟ فقيل : كان من الجن .
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
فخرج عن أمره بترك السجود . والفاء للسبب . وفيه دليل على أن الملك لا يعصى البتة وإنما عصى إبليس لأنه كان جنيا في أصله . والكلام
شرح
ورغبة امتثالا لأمر اللّه تعالى وانقيادا لحكمه كما قال تعالى :لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ[ التحريم : 6 ] بخلاف إبليس ، فإنه تعالى لما خلقه للضلالة والغواية والضلال والإغواء خلق من النار التي طبعها الاستعلاء والاستكبار ، ونظمه اللّه في سلك الملائكة منذ خلقه وكساه كسوة الملاكة تشبث بأفعالهم تقليدا لا تحقيقا حتى عد من جملتهم وذكر في زمرتهم بل زاد عليهم في الاجتهاد بالاعتياد والاعتقاد ، فاتخذوه رئيسا ومعلما لما رأوا منه من الاشتداد والاستزادة في الاجتهاد بالإرادة . فلما امتحن بالسجود لآدم في جملة الملائكة ظهر ما تقتضيه الجبلة وخلع عنه كسوة أهل الرغبة والرهبة ليميز اللّه الخبيث من الطيب ، فطاشت تلك المخادعات وتلاشت منه تلك العبادات وعاد المشوم إلى طبعه حين تبيّن الرشد من أهله ، فسجدت الملائكة وأبى إبليس واستكبر من غيه وظهر أنه كان من الجن ، كأنه قال : ما كان إبليس من الملائكة قط طرفة عين بل كان من الجن الذين تولدوا من الجان . وهو أبو الجن وأصله وأول من عصى ربه ، كما أن آدم عليه الصلاة والسّلام أول الإنس وأبوهم . روي أنه تعالى لما خلق الأرض خلق الجان من مارج من نار يعني من لهب من نار لا دخان لها فكثر نسله وهم الجن بنوا الجان فأسكنهم الأرض فعبدوا اللّه دهرا طويلا في الأرض . ثم ظهر فيهم البغي والحسد فاقتتلوا وأفسدوا فبعث اللّه تعالى إليهم جندا من الملائكة فهبطوا إلى الأرض وحاربوا الجن وهزموهم وطردوهم من وجه الأرض إلى شعوب الجبال وجزائر البحور . روي أن الملائكة سبوا إبليس من بين الجن ونشأ عند الملائكة وكان معمورا مغلوبا بالألوف منهم فغلبوا عليه ، فلما كان إبليس داخلا فيهم بالتغليب تناوله أمر الملائكة بالسجود لآدم فكان قوله تعالى :فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَاستثناء متصلا نظرا إلى دخوله فيهم بالتغليب . ويجوز أن يكون منقطعا . وقيل : الاستثناء متصل بناء على أنه قد كان ملكا من جملة الملائكة فغيّر اللّه تعالى صورته وطبعه وصيره إلى صورة الجن وطبعهم وسيرهم بعد إبائه واستكباره وكفره فصار ممسوخا كما مسخ اللّه تعالى بعض بني آدم فصاروا قردة وخنازير ، إلا أنه لما سأل النظرة إلى قيام الساعة بقي وصار له نسل والحال أن سائر الممسوخات لا تبقى بعد ثلاثة أيام ولا يصير لها نسل . فعلى هذا يكون قوله :كانَ مِنَ
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 487 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين